»مسجد لا ثاني له في مصر، ولا في غيرها من البلاد في روعة البناء وتفرد الزخارف.. بهذه الكلمات وصف الرحالة المغربي الشيخ الحسين بن محمد الورثيلاني في كتابه نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار، مسجد السلطان حسن بالقاهرة. وقال عنه جومار في كتاب وصف مصر، إنه من أجمل مباني القاهرة الإسلامية ويستحق أن يكون في المرتبة الأولى من مراتب العمارة العربية بفضل قبته العالية وارتفاع مئذنتيه وعظمة اتساعه وكثرة زخارفه.. ويوصف المسجد بأنه تاج العمارة المملوكية ودرَّة المساجد المصرية..
وهو نفسه المسجد الذي سبق أن أبدى الرئيس الأميركي باراك أوباما انبهاره بفخامته حينما زاره في عام 2009 وكان برفقته آنذاك وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وتجولا في داخله ووقفا عند تفاصيله وأبديا اعجابا بكل ما فيه.
عندما خطط السلطان حسن بن الناصر محمد بن قلاوون لبناء مسجد جامع يكون فريدا من نوعه، ارتأى أن يتضمن مدرسة للمذاهب الأربعة، «الشافعي والحنفي والمالكي والحنبلي"، وان يكون مسجداً عظيما لا نظير له في فن العمارة والضخامة ودقة التفاصيل في البناء.
وبدأ البناء في المسجد سنة 1356، ونظراً لفرادته وضخامته، وحرصاً على دقة تفاصيله، استغرقت عملية البناء سبعة أعوام، ليكتمل عام 1363. الا ان القدر لم يتح للسلطان حسن فرحة الانتهاء من بناء المسجد، فقد قُتل قبل ذلك الموعد ولم يعثر على جثمانه، وبالتالي لم يدفن بداخله وفق ما كان مخططاً.
هرم إسلامي
يعتبر المسجد معمارياً الأروع بين الجوامع المملوكية وأكثرها رفعة وشأناً، اذ جمع بين ضخامة البناء وفرادة الهندسة، وتوفرت فيه دقة الصناعة وتنوع الزخرف، واجتمعت فيه شتى الفنون والصناعات، فنرى دقة الحفر في الحجر عبر زخارف المدخل ومقرنصاته العجيبة..
وبراعة صناعة الرخام ممثلة في وزرتي القبة وإيوان القبلة، ومحرابيهما الرخاميين، والمنبر ودكة المبلغ، وكسوة مداخل المدارس الأربع المشرفة على الصحن، كما يمتاز بدقة صناعة النجارة العربية وتطعيمها مجسمة في كرسي السورة الموجود بالقبة.
ويُقال إنه إذا كان لمصر القديمة أن تفخر بأهراماتها، فلها إسلاميا أن تتيه عجباً بمسجد ومدرسة السلطان حسن الذي وصفه الرحالة المغربي الورثيلاني بالتفرد في فخامة البناء، اذ تبلغ مساحته 7906 أمتار مربعة نحو فدانين، وطوله 150 مترا، وعرضه 68، وارتفاعه 37.70م، بتكلفة قيل إنها تجاوزت 750 ألف دينار من الذهب.
تخطيط متعامد
بني المسجد بنظام المدارس ذات التخطيط المتعامد، حيث تتواجد الدركاة عند المدخل الرئيسي، ثم تنثني يساراً إلى طرقة تفضي إلى صحن مكشوف دون سقف، يتوسطه قبة رخامية للوضوء، كتب حولها بشكل دائري العديد من الآيات القرآنية بالخط الكوفي، وحولها أربعة إيوانات، أكبرها إيوان القبلة، وقد كتب على كل من أبوابها أن السلطان بن قلاوون هو من أمر بإنشائها.
وفيما يخص قبة المسجد الكبيرة، فيرجع تاريخ بنائها إلى القرن السابع العشر، بعدما تعرضت القبة القديمة للتلف، وتزخرف أركانها مقرنصات كبرى منقوشة، للمسجد أيضا مئذنتان رشيقتان، وازدحمت فيه روائع الفن، فزينت كل ما فيه، لا فرق في ذلك بين الثريات النحاسية والمشكاوات الزجاجية، علما بأن دار الآثار المصرية تحتفظ بالكثير من هذه التحف النادرة، والتي تعتبر من أدق وأجمل ما صنع في هذا العصر.
4 إيوانات
ووفق التخطيط المتعامد يمر الإنسان من المدخل الرئيس إلى دركاة، ثم ينثني يساراً إلى طرقة توصل إلى صحن مكشوف مساحته 32 في 34.60 مترا، تشرف عليه أربع إيوانات متقابلة ومعقودة، أكبرها وأهمها إيوان القبلة تحصر بينها أربعة مدارس لتعليم المذاهب الإسلامية، كتب على كل من أبوابها أنه أمر بإنشائها السلطان الشهيد الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة 764 هجرية ويتكون كل منها من صحن مكشوف وإيوان القبلة، ويحيط بالصحن مساكن للطلبة مكونة من عدة طبقات بارتفاع المسجد.

