عندما سألت أحد المهاجرين العرب في بريطانيا عن رمضان وطقوسه بعيداً عن الوطن، أجابني بكثير من الفخر: «يا صديقي صحيح أننا رحلنا عن الوطن، لكن الوطن لم يرحل عنا، إنه يسكن فينا». والمتأمل في طريقة قضاء عرب بريطانيا لطقوس الشهر الفضيل يعلم يقيناً أن محدثي على حق لدرجة كبيرة.
فرغم مرارة الغربة واختلاف البيئة وما فيها من عادات وتقاليد غربية غريبة، إلا أن مسلمي بريطانيا على اختلاف مشاربهم وجنسياتهم ومذاهبهم حافظوا على ممارسة شعائرهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية خلال رمضان تماماً وكأنهم في بلادهم.
وإذا ما ساقتك أقدارك لأحد الأحياء ذات الأغلبية المسلمة، فستجد «الكريم» بنكهة صومالية أو تركية أو بنغالية أو باكستانية أو إيرانية، وبكل تأكيد بنهكة عربية.
أن تزور دمشق دون أن تمر بسوق الحميدية فكأنك لم تزرها، وأن تكون في مصر ولا تقف عند أهرامات الجيزة، فكأنك تجاهلت العظمة، وأن تصل إسبانيا دون المرور بقصر الحمراء يعني أنك أغفلت التاريخ، وأن تحط الرحال في باريس دون المشي في الشانزليزيه فكأنك وصلت النبع ولم تشرب منه، وأن تزور لندن دون المرور والجلوس والأكل والشرب في إيدغوار رود، فيعني أنك لم تمر بـ«مربط خيلنا».
فهو رغم تميزه عن شارع أكسفورد القريب، أو نايتس بريدج الواقع على الجانب الجنوبي من الهايد بارك، إلا أن إيدغوار رود العربي له نكهته الخاصة في رمضان.
خلال ساعات الإمساك يبدو الشارع هادئاً، وتبدو المطاعم والمقاهي خاوية من روادها الذي انصرفوا إلى أعمالهم أو خلدوا إلى النوم والراحة في انتظار انقضاء ساعات الصوم الطويلة.
قبيل المغرب تبدأ الحياة تتسرب في عروق الشارع، حيث تتسارع خطى الصائمين لحجز ركن في أحد المطاعم بانتظار رفع الآذان. ورغم ساعات الإفطار القصيرة إلا أن رواد الشارع يصرون على قضاء كل الوقت في مناخ يعوضهم عما تركوه هناك في أوطانهم الأصلية.
صخب الأطباق
تبدع المطاعم العربية المنتشرة على جانبي الشارع في تقديم ما لذ وطاب من الأطباق والوجبات التي تمتد عبر خارطة المطبخ العربي من «الكسكسي» القادم من المغرب وتونس والجزائر وليبيا، إلى الكبسة السعودية، مروراً بورق العنب والمخللات والمعجنات والفول والحمص والمتبل والمقبلات والسلطات اللبنانية والشامية، ولا تنس الشاورما والكبة والمشاوي والمحاشي وحتى المنسف والمجدرة.
عند نقطة تلاقي أكسفورد ستريت مع بارك لين في زاوية ماربل آرش، تبدأ العتبة الأولى من إيدغوار رود أو شارع العرب كما يسميه أهل لندن الأصليون والمهاجرون والأجانب، وحتى العابرون من السياح.
وليس للقادم إلى لندن حاجة للاستعانة بخريطة سياحية للوصول إلى الشارع، حيث سحب الدخان المتصاعد من الأراجيل وأسياخ المشاوي ترشد الضالين والغرباء، أما أصوات راغب علامة وخالد الشيخ وراشد الماجد المدوية من محال بيع الأشرطة، والسيارات المكشوفة، فهي بوصلة تهدي الأطرش إلى إيدغوار رود أو مضارب بني يعرب في عاصمة الضباب والكباب.
عندما تضع قدميك في الشارع يجتمع أمامك العالم العربي من المحيط إلى الخليج، من اللبناني صاحب المطعم إلى العراقي صاحب العقار إلى السوري بائع الخضار إلى الخليجي المستثمر إلى الفلسطيني العامل إلى المغربي السائق.. إلخ، مجتمع كامل يقدم ويستهلك كل الخدمات، وبين كل هؤلاء ينتشر من أبناء الجالية العربية الطالب والصحافي والأستاذ الجامعي والسياسي اللاجئ والفنان الحالم والمهاجر التائه.
تجر قدميك على رصيف إيدغوار رود وأنت تتصفح الجميع وهم يطالعونك، تمر بمحال تبيع كل شيء من لبان «الشيكلتس» إلى آخر صرعات الموبايل والستلايت، صالونات حلاقة، ومحال لتجارة العقارات، ومكاتب للهاتف والخدمات السياحية والطيران، وحتى صيدليات وبنوك، ناهيك عن المقاهي التي تقدم الشاي والقهوة واليانسون والكركديه والسحلب وطبعاً الأرجيلة بنكهات لا تعد ولا تحصى.
مجتمع عربي
عندما تضع قدميك في شارع إيدغوار يجتمع أمامك العالم العربي من المحيط إلى الخليج، لبناني صاحب المطعم وعراقي سيد العقار وسوري بائع الخضار والمستثمر الخليجي والفلسطيني العامل.. إلخ، انه مجتمع كامل يقدم ويستهلك كل الخدمات، وبين كل هؤلاء ينتشر من أبناء الجالية العربية الطالب والصحافي والأستاذ الجامعي والسياسي اللاجئ والفنان الحالم والمهاجر التائه.

