ما إن يذكر مسجد الإمام عبد الرحمن المهدي أو مسجد »الهجرة«، إلا ويتبادر للأدهان الكثير من الصور التاريخية التي كان المكان أحد الشواهد عليها، إذ يعد أحد المعالم الإسلامية التاريخية في السودان. ويقع في حي ودنوباوي العريق بأمدرمان التي يطلق عليها العاصمة الوطنية أو »بقعة المهدي« ارتباطاً بمؤسسها الإمام محمد أحمد المهدي، والجامع قلعة ومنارة لطالبي العلوم الدينية إلى جانب كونه مركزاً لحراك اجتماعي وسياسي واسع.

تحدث إمام وخطيب مسجد الهجرة الشيخ عبدالمحمود أبو، عن تأسيسه بوساطة الإمام عبدالرحمن المهدي سنة 1936 وشارك في بنائه المهندسون والبناؤون المصريون الذين شيدوا الري المصري في منطقة الخرطوم، وكان الإمام عبدالرحمن ينظم دروساً في التفسير والفقه والسيرة، ويلتقي الأنصار لتلقي التوجيهات منه، إلى جانب أن عدداً من العلماء يقدمون فيه الدروس والمحاضرات.

وصار المسجد قبلة للأنصار يقيمون فيه احتفالاتهم الدينية مثل ذكرى معركتي بدر الكبرى والجزيرة أبا الأولى، وكذلك الاحتفال بليلة 27 رجب التي تشتمل على ثلاث مناسبات هي: الإسراء والمعراج، وذكرى مولد الإمام المهدي، وعيد الأسرة السودانية، وهو عبارة عن سنة سنها الإمام عبدالرحمن المهدي لعقد زيجات للشباب في هذا اليوم.

مضايقات للطائفة

وكثيراً ما كانت الأنظمة العسكرية التي تعاقبت على البلاد تمارس مضايقات ضد طائفة الأنصار الدينية، وفي ذلك يقول أبو: إن الأنصار عندما تتم مضايقتهم من قبل الطغمة الحاكمة يجعلون من المسجد مكاناً رئيسياً لأنشطتهم الدينية والاجتماعية، وقد حدث ذلك في نظام عبود وعهد نميري ومع الإنقاذ حالياً؛ فكل تلك الأنظمة استهدفت الأنصار في أنشطتهم الدينية والاجتماعية، ولذلك ظل جامع ودنوباوي الرئة التي يتنفس عبرها الأنصار.

ويرجع الشيخ عبدالمحمود أبو، سر التسمية بمسجد الهجرة إلى عدة روايات، فبعضهم ينسبها لشارع الهجرة وهو الطريق الذي يربط بين الشهداء وحي ودنوباوي، وقيل إنه الطريق الذي سلكه الأنصار عند عودتهم من معركة كرري التي هزمت فيه الآلة العسكرية الإنجليزية الدولة المهدية، وقيل سمي مسجد الهجرة نسبة للمهاجرين الذين وفدوا لنصرة الدين مع الإمام عبدالرحمن بعد سقوط الدولة المهدية، وتابع: المهم أن الإمام عبدالرحمن أراد أن يسميه اسماً له بعده الروحي ويرتبط بالقيم الإسلامية ولا يريده أن يرتبط باسمه.

نقطة انطلاق

وأصبح المسجد خلال السنوات الأخيرة نقطة انطلاق للحراك الاحتجاجي على سياسات حكم الرئيس السوداني عمر البشير، وشهدت ساحاته مواجهات عنيفة بين المحتجين وسلطات الأمن. للمسجد نصيب في كل الأحداث التي تعرض لها الأنصار فأحداث المولد التي استشهد فيها عدد من شباب الأنصار في عهد الفريق عبود، كان بعضهم طلاباً في جامع الهجرة، وبعد أحداث أبا كان له دور كبير في رفض العدوان الذي تعرضت له الجزيرة أبا، وهجرة الأنصار للحبشة بعد تعرضهم للعدوان في الجزيرة أبا.

وكان هناك عدد كبير من طلاب خلوة المسجد ضمن المهاجرين، وبعد أن استولى نظام الإنقاذ على مسجد القبة عام 1993، كان مسجد الهجرة هو المكان الذي انتقلت إليه قيادة الأنصار للإشراف على أنشطة الأنصار الدينية والاجتماعية، وظل المسجد قبلة لكل السودانيين الذين يعشقون الحرية والديمقراطية. وظل القائمون على أمره ينتقدون سياسات النظام الخاطئة.

ويعبرون عن تطلعات الشعب السوداني طيلة الفترة التي كانت القوى السياسية محظورة. ويشير إلى أن أئمة المسجد على مر العهود تعرضوا للاعتقال والتوقيف بل وحتى للمحاكمة بسبب خطب الجمعة والأعياد التي كانت تنتقد النظام خلال الفترة من عام 1993- 2000م

واقف وعراقيل

ظل القائمون على المسجد ينتقدون سياسات النظام الخاطئة ويعبرون عن تطلعات الشعب السوداني طيلة الفترة التي كانت القوى السياسية محظورة فيها. فتعرضوا للاعتقال والتوقيف، بل وحتى للمحاكمة بسبب خطب الجمعة والأعياد التي كانت تنتقد النظام خلال الفترة من 1993- 2000