البصرة مدينة عراقية تمتلك قواعد التجدد مع الزمن.. وخصوصيتها تجعلها تتعاطى مع التاريخ وثوابت الأصالة، ومستجدات الحاضر في آن واحد، وهي بذلك تؤكد بقوة على الامتداد الأصيل لعراقتها وعمق ارتباط أبنائها بأرضهم وصفاتهم الإنسانية ومجدهم الحضاري. إن البصرة، على الرغم من كل ما عانته من الويلات والمحن، ظلّت عصيّة على التآكل والضياع والانحسار، وظلت عيونها تكتحل بضياء مساجدها التي بلغت نحو 17 ألف مسجد تؤذن باسم الله وتوحّده.وبقيت انهار البصرة تتدفق.. وثمارها وتمور نخيلها تمنح الناس طيب الحياة.. كما بقي شط العرب يمارس رحلة النهار والليل في جريانه الدائم عطاء ورخاء.
مركز النشر الإسلامي
تأسست البصرة عام 14هجرية ,الموافق 637 ميلادية، من قبل الصحابي عتبة بن غزوان، وبأمر من الخليفة عمر بن الخطاب، لتكون مركزا لنشر الإسلام، فأصبحت موقعا مهما من مواقع التاريخ العربي والإسلامي على مدى تتابع الحقب.وقد لا يصدق المرء وجود مثل هذا العدد الكبير من الجوامع والمساجد، لكن ذلك هو الرقم الصحيح، وسبب كثرتها هو سعة رقعة ارضها واتساع مساحتها ، وكثرة السكان فيها، وتمكن العقيدة الإسلامية من قلوب اهلها.
وقد احصى احد الخلفاء فقراء الدراويش في مساجد البصرة، فبلغ عددهم 60 ألفا، ولو افترضنا أن في كل مسجد يرابط أربعة فقراء، لبلغ عدد مساجدها ذلك الرقم الكبير.وللمساجد فضل كبير في نشر الرسالة الإسلامية التي أضاءت جوانب الأرض، وكان للمساجد الأثر المهم في توجيه الشعور وتوحيد الصفوف نحو الأهداف النبيلة.فبيوت الله يذكر فيها اسمه وتبث فيها أوامره ونواهيه، ومن منابرها ينادى إلى قافلة الجهاد والذود عن الحرمات، حتى ثبت ما للمساجد من فضل في النهضة العلمية، وما أخرجته للعالم من فطاحل العلماء ورجال الفكر والأدباء والقادة.
جامع الإمام علي
وفي البصرة يتقدم تلك المساجد، وهو أولها على الإطلاق، جامع الإمام علي، ذلك الأثر الذي أنشئ عند فتح البصرة سنة 14 هجرية ليقيم فيه مجاهدو الإسلام شعائر دينهم، فكان مشعلا للنور، وقد ارتقى منبره علي بن أبي طالب، ليخطب بالناس قائلا: "إني سمعت رسول الله (ص) يقول: تفتح ارض يقال لها البصرة، أقوم ارض الله قبلة، قارؤها اقرأ الناس، وعابدها أعبد الناس".
وكان الأمام علي أول من دخل الجامع، ولذلك سمّي باسمه، فكان الجامع في عهده أشبه بمدرسة جامعة انتشرت في أروقته الواسعة حلقات العلم والدراسة، واستمر كما هو سنوات طويلة، وقد فاضت جوانبه وزواياه بمعشر المفسرين، وكان رواده يرضعون علوم التوحيد والتفسير والأدب على أيدي علمائها المتخصصين، وبقيت لهذا الجامع مكانته العظيمة إلى فترات طويلة.
انتشار المساجد
وجوامع البصرة التي بنيت بعد ذلك كثيرة جدا وأعدادها تتجاوز أعداد القرى والمدن، إذ شجع بناء الجامع المسلمين على إنشاء آخر في مناطق سكناهم، فانتشرت المساجد في كل بقاع الالمدين الهادئة الهائنة.
ونذكر هنا أسماء عدد منها، مثل جامع بني مجاشع الذي بناه زياد بن أبي سفيان، ومسجد الحدان الذي نزلت فيه أم المؤمنين السيدة عائشة عند قدومها للبصرة، وجامع انس بن مالك، وجامع عثمان، وجامع بني عباد، ومسجد الزبير بن العوام. وذكر البلاذري في فتوح البلدان، فان جوامع عديدة بنيت في البصرة في تلك الحقبة الزمنية، حتى أن الإحصاءات ذكرت أن مساجدها زادت بعد سنوات قليلة من دخول الإسلام إليها على 7 آلاف مسجد، لكن أكثرها لم تدون في كتب التاريخ، حيث اختفى معظمها عند خراب المدينة.
وجاء ذكر المساجد وأعدادها في مخطوطة قاضي البصرة احمد نور الأنصاري، التي أكدت أنها زادت في القرن الثالث الهجري على 17 ألف مسجد وجامع، وكان من أبرزها جامع الكواز، وهو الأثر التاريخي الكبير الذي يقف كشاهد آخر، يمنح المدينة صفحة أخرى من الصفحات الممتدة منذ بداية نشأتها حتى الان.


