تحتضن دول وطننا العربي والإسلامي ملايين المساجد التي يؤمها المصلون خمس مرات في أوقات الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء لأداء صلواتهم تقرباً وزلفى إلى خالقهم علهم يكتسبون رضاه ويدخلون في رحمته التي وسعت كل شيء. ورغم ذلك فهناك مساجد بعينها تشكل علامة بارزة قد يكون لقدمها من حيث زمن البناء أو لموقعها المميز، أو للاسم الذي يحمله المسجد والشهرة التي اكتسبها، أو لوجود خطيب مفوه يستقطب المصلين بسحر بيانه أو فصاحة لسانه. وفي أرض النيل المحروسة بعناية الله، بلد آلاف المآذن وفي تلك المنطقة الأثرية القديمة، بالفسطاط في قلب مصر القديمة، يقبع جامع «عمرو بن العاص» أول مسجد بني في مصر وفي أفريقيا كلها؛ ليكون منبرًا للحضارة الإسلامية في العالم.
ففي هذا المسجد، الذي أنشأه الأمام العادل عمرو بن العاص سنة 21 هجرية الموافق 641 ميلادية، وحدد قبلته ثمانون صحابيًا، يقف في ليالي رمضان عشرات الآلاف من المصليين، خلف الشيخ محمد جبريل الذي بدأ الإمامة في صلاة التراويح بالمسجد عام 1988م؛ لأداء الصلاة، في أجواء يفوح منها عبير الماضي، ممتزجة مع روحانيات الحاضر، حيث العيون التي تذرف الدمع والقلوب التي تبكي في صمت والصدور التي يشتد خفقانها من خشية الله لهول المشهد الرائع وحلاوة التلاوة وطلاوة الصوت.
وإذا قادتك قدماك إلى ساحة المسجد في رمضان، ستجد المصلين يغمرهم إحساس رائع بالسكينة والهدوء النفسي وكأنهم مقبلون على لقاء أحد أبرز صحابة الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم». ويروي الشيخ محمد سلامة، أحد رواد الجامع، فيقول: «المسجد في رمضان يزدحم بمشاهده الإيمانية الرائعة خاصة في ليالي الاحتفال بليلة القدر وختم القرآن والجمعة اليتيمة وصلاة العيدين، حيث يمتلئ عن آخره، ليس ذلك فحسب، بل حتى الشوارع الخارجية المحيطة به تحتضن الآلاف من المصلين في مشهد إيماني فريد. ويتميز المسجد بروعة التصميم المعماري ما أكسبه مهابة وزاده ألقاً وأسهم في إحداث نقلة نوعية بلورة المشهد الإيماني العميق الذي ترتاح له العيون، وتسر برؤيته.
وتبلغ المساحة الحالية للجامع بعد التوسعات التي شهدها من خلال حكام مصر الذين تعاقبوا على حكمها في مختلف العصور، 120.50 112.50 مترًا، ويحتوي على 365 عمودًا بعدد أيام السنة، وله مئذنة يرجع تاريخها إلى عصر مراد بك تتكون من دورة واحدة ذات قيمة مخروطية، وتتوسطه قبة قائمة على ثمانية أعمدة رخامية ذات تيجان مختلفة جلبت من عمائر قديمة، ويتوج واجهات المسجد من الخارج شرفات هرمية مسننة. ولا يقتصر نشاط الجامع على الصلاة فقط، حيث توجد هناك فصول تقوية مجانية، ومكتبة دينية عامرة بالعديد من الكتب والمراجع الدينية، فضلاً على أنشطة اجتماعية أخرى من خلال المقرأة ولجنة الزكاة، ودروس العلماء والعديد من شيوخ الأزهر ويقبل على المكتبة الطلاب وأصحاب البحوث.


