الذكورة والأنوثة حقيقة كونية متصلة بخلق الإنسان، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى..)، (الحجرات: 13). وقد استلزم هذا الاختلاف في الجنس اختلاف الألفاظ التي تطلق على كل منهما، بدءاً باختلاف الأسماء واختلاف الصفات والأحوال، وانتهاء باختلاف الضمائر التي تعود على كل منهما.
ولم يقتصر التذكير والتأنيث في اللغة على الرجل والمرأة، بل تعداه ليتصل بجميع الموجودات في هذا الكون. فالتأنيث عند النحاة هو (اسم فيه علامة التأنيث) وعلامات التأنيث كثيرة، فقد ذكر الأنباري في كتابه «المذكر والمؤنث» أنَّ للمؤنث خمس عشرة علامة، ثمان في الأسماء، وأربع في الأفعال، وثلاث في الأدوات.
وقد اتفق النحاة أن أشهر علامات التأنيث هي التاء كـ(فاطمة)، وألف التأنيث المقصورة كـ(سلمى)، وألف التأنيث الممدودة كـ(صفراء). أما التذكير عند النحاة فهو (ما ليس فيه تاء التأنيث ولا ألف التأنيث المقصورة أو الممدودة). كما قسموا المؤنث إلى قسمين: الأول مؤنث حقيقي وهو كل ما يلد أو يبيض كـ(فاطمة - الناقة - الدجاجة)، والقسم الثاني المؤنث المجازي وهو ما لا يلد أو يبيض كـ(النار – القِدر - الشمس).
وقد فصَّل النحاة في أحوال الأفعال والضمائر والصفات والأعداد مع تلك الأسماء تذكيراً وتأنيثاً، فبينوا مواضع وجوب التذكير، ومواضع وجوب التأنيث، ومواضع جواز الأمرين.
السر البلاغي
وتعلُّم تلك القواعد ليس بالأمر العسير، فهي موجودة في كتب اللغة، ولكنَّ معرفة السر البلاغي في العدول عن التأنيث إلى التذكير أو العدول عن التذكير إلى التأنيث هو الأمر الذي يحتاج إلى جهد ومكابدة. وتزداد الرغبة في معرفة تلك الأسرار إذا كانت تلك المواضع في كتاب الله عزَّ وجل.
ومن تلك المواضع ما جاء في سورة هود، فقد أخبرنا الله عزَّ وجل عن عقوبة قوم صالح عليه السلام فقال: (وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) (هود67)، وأخبرنا جلَّ شأنه عن عقوبة قوم شعيب عليه السلام فقال: (وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين) (هود94). والملاحظ هنا أن الفعل (أخذ) اتصلت به تاء التأنيث في موضع وسقطت في الموضع الآخر، فما السر في ذلك؟
أما من الناحية النحوية فالحذف والإثبات جائزان، لأن الصيحة مؤنث مجازي يجوز في فعله التأنيث والتذكير، أضف إلى ذلك أنَّ المفعول به وهو قوله تعالى: (الذين ظلموا) فصل بين الفعل (أخذ) والفاعل (الصيحة). والقاعدة أن الفعل إذا فصل بينه وبين الفاعل شيء جاز تأنيث الفعل وتذكيره، وجاء مثل ذلك في قوله تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف)، (البقرة275).
لماذا الاختلاف؟
وأما من الناحية البلاغية فقد حاول البعض الوقف على سرِّ تذكير الفعل مع قوم صالح عليه السلام، وتأنيثه مع قوم شعيب عليه السلام. فذهب الخطيب الإسكافي إلى القول إن الله أخبر عن العذاب الذي أهلك به قوم شعيب عليه السلام بثلاثة ألفاظ منها (الرجفة) في سورة الأعراف في قوله تعالى:
(وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيباً إنكم إذاً لخاسرون فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين) (الأعراف90-91)، ومنها (الظلة) في قوله تعالى: (فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم) (الشعراء189)، ومنها (الصيحة) وهي مذكورة في سورة هود.
تفسير آخر
وفي التفسير أنَّ هذه الثلاثة جُمعت لهم لإهلاكهم واحدة بعد أخرى؛ لأن الرجفة بدأت فخرجوا من بيوتهم إلى الصحراء، فلما نالت منهم أشعة الشمس وظهرت لهم الظلة هرعوا إليها ليستظلوا بظلها، فجاءتهم الصيحة فأهلكتهم. فلما اجتمعت ثلاثة أشياء مؤنثة الألفاظ في العبارة عن العذاب الذي أُهلِكوا به، غلب التأنيث في هذا الموضع من سورة هود عليه السلام.
وذهب الأستاذ فاضل السامرائي إلى القول إن قصة شعيب عليه السلام في سورة هود أطول من قصة صالح في نفس السورة، فقد وردت قصة شعيب في سورة هود في اثنتي عشرة آية، أما قصة قوم صالح عليه السلام فقد وردت في ثماني آيات، فجاءت كلمة (أخذت) أطول من كلمة (أخذ) في سورة هود لتناسب الكلمة الطويلة القصة الطويلة.
وجاءهم البينات
وقال أيضاً إن الله عزَّ وجل عبَّر عن عذاب قوم صالح عليه السلام بقوله: (فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذٍ إن ربك هو القوي العزيز). والخزي مذكر فناسب تذكير الفعل (أخذ) في بيان عقوبة قوم صالح.
والأمثلة في هذا المعنى كثيرة، ومنها قول الله عزَّ وجل في سورة آل عمران: (وجاءهم البينات)، وفي المقابل جاء قول الله عزَّ وجل في سورة البقرة والنساء (وجاءتهم البينات). ولما تتبع العلماء سياق تلك المواضع لاحظوا أن التأنيث يأتي إذا كان المقصود من البينات العلامات الدالة على المعجزات، وإذا كان المقصود الإشارة إلى الأمر والنهي جاء التذكير.
الفصاحة والبلاغة
سواء كان هذا التوجيه وجيهاً، أم لم يكن كذلك، فإن المقصود من ذكر هذه الأمثلة، هو حث الذهن على التفكر في هذه المواضع القرآنية وغيرها، ومحاولة الوقوف عند وجه البلاغة فيها، وهو أمر ليس باليسير إلا على من يسره الله عليه.
يقول ابن الأثير في كتابه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر»: اعلم أيها المتوشِّح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهذا لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة.
