من كلام الخالق عز وجل وبلاغة قوله في الذكر الحكيم؛ القرآن الكريم، نغوص في تفاصيل الحروف ونبحر في كمال المعاني، لنرسم لقرائنا الأعزاء أجمل الصور الكتابية على هيئة أسرار ربانية بديعة. هذه الأسرار التي نستشفها من آيات قرآنية، تجسد بجمال تعابيرها واكتمال معانيها، كل ما لا يستطيعه بشر ولا يقوى عليه مخلوق. فيها تجد الكلمة الأوفى والصورة الأنقى والإعجاز الأبقى، فيها أيضاً القول الفصل لكلام الخالق ذي الكمال، فليس أبلغ من كلام الله عز وجل قولاً. هو أصدق الحديث كلاً وجزءاً، وهو أوفى فاتحة وأكمل خاتمة، إنه القرآن الكريم الكتاب المحفوظ الذي لا ينقص تلاوة وإبحاراً واستزادة في العلم والنور؛ ولقارئه السرور.
«بديع الأسرار» محطة رمضانية ارتضيناها لكم من أنوارنا «أنوار رمضان»، لنمتع العقول ونقنع القلوب، بكلمات ربانية تتجلى فيها كل المسميات الحصرية؛ فيها الجمال والكمال والمثال، والإيحاء والوفاء والبناء؛ والتمام ختام.
كثيرةٌ هي تلك الآيات التي وعد الله عزَّ وجل فيها عباده بالمغفرة والرحمة، وذلك من خلال وصف الله عزَّ وجل لذاته العلية بهاتين الصفتين العظيمتين. ويمكننا أن نلاحظ ذلك من خلال تتبع تلك الآيات التي ختمها الله عزَّ وجل بوصف نفسه بالمغفرة والرحمة. إلا أن بعضَ هذه الآيات جاء بصيغة التأكيد (إن الله غفور رحيم)، والبعضُ الآخر جاء من غير تأكيد (والله غفور رحيم). فما السرُّ في ذلك؟
للإجابة عن هذا السؤال نحتاج لمقدمة في أحوال الخبر عند أهل اللغة. إن المقصود من الخبر هو إفادة المخاطب بحكم ما، نحو قولك: (زيدٌ قائم) للإخبار عن قيام زيد. إلا أنَّ هذه الإفادة تختلف باختلاف حال المخاطب، فإن كان المخاطب خالـيَ الذهن من الحكم استُغنِـيَ عن المؤكدات فتكتفي بقولك: (زيد قائم). وإن كان المخاطب يعلم الخبر ولكنه متردد في قبوله ويطلب التثبت منه حَسُن تأكيده ببعض المؤكدات اللفظية فتقول: (إنَّ زيداً قائمٌ). وإن كان المخاطب منكراً للحكم وحاكماً بخلافه وجب تأكيده بحسب الإنكار فتقول: (إن زيداً لقائم) وقد تستعمل القسم زيادة في التأكيد فتقول: (والله إن زيداً لقائم).
ويؤيد ما ذكرنا جواب أبي العباس المبرد ليعقوب بن إسحاق الكندي لما قال: (إني أجد في كلام العرب حشواً؛ يقولون: عبدالله قائم، وإن عبدالله قائم، وإن عبدالله لقائم، والمعنى واحد! فأجابه المبرد بأن قال: بل المعاني مختلفة؛ فعبدالله قائم إخبار عن قيامه، وإنَّ عبدالله قائم جواب عن سؤال سائل، وإنَّ عبدالله لقائم جواب عن إنكار منكر. ويسمى النوع الأول من الخبر: ابتدائياً، والثاني: طلبياً، والثالث: إنكارياً). وإخراج الكلام على هذه الوجوه يسمى «مراعاة مقتضى الحال».
إذا تقرر ذلك أمكننا أن نعرف الفرق بين قوله تعالى: (والله غفور رحيم)، وبين قوله تعالى: (إن الله غفور رحيم)، فالأولى خطاب للمؤمنين المصدقين الموقنين بسعة رحمة الله ومغفرته، فهم لا يحتاجون لتأكيد في الكلام أو أن هذا الكلام سواء كان للمؤمنين أو لغيرهم لا يحتاج إلى تأكيد أصلاً. أمَّا الثانية فللعصاة أو المذنبين الذي يحتاجون لشيء من التأكيد الذي يبعث فيهم الأمل بمغفرة الله عزَّ وجل وأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يغفر الذنوب جميعاً. ومن الأمثلة على ذلك:
قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم) (البقرة: 218) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كِفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) (الحديد: 28). ونلاحظ هنا أن الخطاب للمؤمنين الموقنين بوعد رب العالمين، وإذا كان هذا هو حالهم فلا حاجة لتأكيد الخبر.
وفي المقابل نقرأ قول الله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) (التوبة: 102)، فأصحاب الذنوب قد يأتيهم الشيطان ويُعظِّم الذنب في أعينهم، ويحاول أن يقنطهم من رحمة الله عزَّ وجل، فناسب المقام زيادةً في التأكيد تبعث الأمل في قلوبهم.
ومثل ذلك قوله الله عزَّ وجل: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم) (البقرة: 191-192) أُكِدَّ الخطاب هنا بحرف التأكيد لأنه مُوجه للكفار ترغيباً لهم -إن انتهوا عن قتال المؤمنين وقبلوا دين الإسلام- بالمغفرة والرحمة من الله عزَّ وجل، وفيه بيان لهم أن قتالهم للمسلمين ليس مانعاً من قبول توبتهم.
وانظر إلى هذه الآية العظيمة التي يعرفها الجميع كيف خاطب الله عزَّ وجل فيها أولئك الذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب والآثام، فقال جلَّ من قائل: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه إن اللَّه يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر: 53)، تأمل إلى أدوات التأكيد المذكورة في الآية الكريمة، نهي عن القنوط وتوكيد بحرف التوكيد (إنَّ) ووعد بمغفرة الذنوب (جميعاً) ثم أعاد حرف التوكيد (إنَّه) وزاد ضمير الفصل (هو) وختمها بصفتين عظيمتين من صفات الله الدالة على عظيم رحمته وسعة مغفرته، فما أجمل كلام الله عزَّ وجل! وما أعظم تقصيرنا في فهمه وتدبره!!
