لي كوان يو.. صناعة أمة موحدة

لي كوان يو

يعتبر «لي كوان يو» والد الأمة السنغافورية، وهو كذلك فعلاً، فقد جعل من شعب هذه الجزيرة، الذي كان يتوزع بين انتماءات خارجية مختلفة، أمة واحدة، تدين في الولاء لوطن واحد تعيش فيه، بوئام وانسجام. كما أنه معروف بأنه صانع المعجزة السنغافورية، التي حولت بلاده الصغيرة والمغمورة إلى واحدة من أشهر بقاع العالم، وأكثرها تقدماً.

لم يكن الأمر كذلك حينما أصبح «لي كوان يو» أول رئيس وزراء للجمهورية السنغافورية في عام 1959 بعد انتخابات برلمانية فاز فيها حزب العمل الشعبي، وبقي في منصبه، الذي تولاه في سن الخامسة والثلاثين سنة، حتى العام 1990.

كانت سنغافورة، تلك الجزيرة التي أسسها السير ستامفورد رافلز عام 1819، مجرد قرية للصيادين تخلو من أي موارد طبيعية وفيها قاعدتان عسكريتان، ويسكنها خليط من المهاجرين غالبيتهم أتوا من الصين والباقي من ماليزيا والهند مع أقليات آسيوية أخرى. وبعد أن رحل المستعمرون من منطقة جنوب شرق آسيا خلفوا وراءهم فوضى عارمة، فكان على سنغافورة أن تواجه وحدها مخاطر التمدد الشيوعي في جميع أرجاء العالم، خصوصاً أنها دولة فقيرة.

ولم تجد سنغافورة حلاً لهذه المعضلة سوى الانضمام إلى اتحاد الملايو عام 1963، الذي يشكل ما يعرف الآن بماليزيا. إلا أن هذا الاندماج لم يصمد أكثر من عامين بسبب إصرار سكان الملايو على احتواء سنغافورة من دون مراعاة وجود الغالبية الصينية البوذية فيها. وبعد أقل من عام على الانضمام، حدثت صدامات عرقية بين الصينيين والملاويين كانت كفيلة بخروج سنغافورة نهائياً من اتحاد الملايو في 9 أغسطس 1965 وهو نفسه تاريخ استقلال سنغافورة.

ولكن سنغافورة، التي انفصلت عن الاتحاد المالاوي، كانت هي نفسها فسيفساء متنوعة تفتقر إلى الوئام والانسجام، فسكانها خليط من أصول مختلفة (75% من أصول صينية و14% ماليزية و9% من الباكستانيين والهنود ثم أندونيسيون). وتنتشر بين سكانها اللغة الصينية واللغة الماليزية العامية. وتعتبر الإنجليزية لغة أساسية. كما يعتنق 15 % من سكان سنغافورة الإسلام، أما البقية فيعتنقون البوذية، والكنفوشية، والطوطمية، والمسيحية.

وبذا، كان من أخطر ما واجهه «لي كوان يو» هو حالة الاحتقان الطائفي والعرقي في بلاده، التي تشكل فسيفساء على المستويات العرقية والدينية والطائفية واللغوية؛ وكان أول ما سعى إليه هو إنهاء الاستقطاب والاحتقان الطائفي داخل بلاده، فيها السكان الصينيون والمالاويون منقسمون عرقياً ولغوياً، وكانت البلاد تعيش احتقاناً لدرجة أن هؤلاء وأولئك كانوا عادة ما يتصارعون في الشوارع، ناهيك بالاحتقان الثقافي والاجتماعي بين أبناء الطائفة الواحدة، مثل التوتر مثلاً بين الصينيين المتعلمين تعليماً غربياً، وهؤلاء الذين تلقوا تعليماً شيوعياً في المدارس المتوسطة.

مثل هذا التنوع في دول من العالم الثالث، كان وما زال بمثابة برميل من البارود ينذر بالاقتتال الأهلي، وربما تقسيم المقسم، ولكن «لي كوان يو» كان له رأي، ومن ثمّ استراتيجية أخرى، ولهذا كانت أولى خطواته هي تأسيس هوية وطنية جديدة، تقيم دولة التسامح والمواطنة، وكان التحدي في إقناع السنغافوريين أنهم ينتمون إلى بلد مستقل، وأن أساس الهوية هو انتماؤهم إلى هذا البلد، فبعد سنوات طويلة من العمل كفيدرالية تابعة للدولة الماليزية، كان على حكومة حزب العمال إقناع السكان أنهم سنغافوريون، وأنهم أفراد ينتمون إلى تلك الدولة لا إلى صينيتهم أو مالاويتهم أو بوذيتهم.

كانت الحاجة ماسة إلى تخفيف المطالب العرقية والدينية واللغوية لضمان أن يعيش السنغافوريون في وئام، خاصة بعد أعمال الشغب العرقية 1964. وتم الحفاظ على الهويات العرقية والدينية واللغوية لتوفير الأساس الثقافي واستيعاب تطلعات مجتمع آسيوي تقليدي إلى حد كبير. وتَشَرب المواطنون قيماً وطنية وثقافة جديدة، حيث يحدد مبدأ الجدارة الحراك الاجتماعي والتميز في المجتمع.

وتم اعتماد نهج متكامل من خلال تدابير بارعة وقوية، لتحول الأمة، من خلال مجموعة كبيرة من السياسات في مجال التعليم للجميع، والإسكان المختلط الذي يدمج بين الفئات المختلفة، والخدمة الوطنية، والتشارك المتساوي في تقاسم الثروة الوطنية الاقتصادية والأمان الوظيفي، والرعاية الصحية، ونظام النقل الفعال والنظافة والصرف الصحي الحديث وتوفير الأمن المادي للجميع.

وبهذا تمكن من إنشاء الأمة من خلال الحكم الرشيد، الذي قام على فرض قيمة التسامح والتعايش وقبول الآخر.

لقد كان «لي كوان يو» باني سنغافورة فعلاً، ولكن التسامح كان طريقه لتحرير مواطنيه، ليس من الكراهية فقط، بل ومن البؤس والفقر والجهل. من كل هذه السجون التي كانت الكراهية تحتبسهم داخل أسوارها.

 

كلمات

لي كوان يو من الشخصيات اللامعة التي لم يسبق أن تعرفت على مثلها. فالمهتمون بمعرفة هذا الآسيوي الناجح عليهم أن يقرأوا قصة سنغافورة، والمأثرة التي صنعتها.

جورج بوش الأب

رئيس أمريكي سابق

 

قرأت وحللت كل خطاباته؛ لقد استطاع أن يخترق أساليب البروباغندا الإعلامية دون أن يخطئ مرة قط.

جاك شيراك

رئيس فرنسي سابق

 

ليس على من يريد معرفة سر نجاح سنغافورة، إلا النظر إلى لي كوان يو الذي حول هذه المدينة إلى دولة، وجمع حوله العقول اللامعة، التي أوصلت سنغافورة إلى التقدم عبر طريق مختصر.

مارغريت تاتشر

رئيسة وزراء بريطانية سابقة

 

كلما قابلت لي كوان يو، تأثرت تأثراً بالغاً بذكائه الكبير ورؤيته الثاقبة وعمق فهمه للتاريخ والمجتمع. وبغض النظر عن موقعك في السياسة، ستجد أفكاره مصدراً للإلهام.

كيم داي جونغ

رئيس سابق لكوريا الجنوبية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات