نعمة.. تقبل الآخرين

يظن الكثيرون أن التسامح أمر وقيمة لها فقط علاقة بما يمكن أن يقدمه الإنسان إلى مجتمعه، وإلى الآخرين. ولكن في الواقع، بانعدام التسامح، تنهار أسر ومجتمعات، وتتداعى العواطف الطبيعية التي فطرت عليها الطبيعة البشرية.

وعن هذا، ثمة قصة حقيقية من الحياة الأمريكية تقول:

إبان الحرب الأمريكية في فيتنام، رن جرس الهاتف في منزل من منازل أحياء كاليفورنيا الهادئة؛ كان المنزل لزوجين لهما ابن واحد مجند في الجيش الأمريكي، وكان القلق يغمرهما على ابنهما الوحيد، يصليان لأجله باستمرار، وما إن رن جرس الهاتف حتى تسابق الزوجان لتلقي المكالمة في شوق وقلق.

التقط الأب سماعة الهاتف، وسأل ملهوفاً: آلو... من المتحدث؟

جاءه الرد من الطرف الآخر، بعد تردد: أبي، إنه أنا كلارك، كيف حالك يا أبي؟ هل أمي بخير..؟

هتف الأب: كلارك..!! كيف حالك يا بني، متى ستعود؟

فهرعت الأم بلهفة تلتقط سماعة ثانية لتشارك بالحديث، وهتفت: كلارك، بني.. هل أنت بخير؟

رد كلارك: بلى، أنا بخير، يا أمي.

فعادت الأم تسأل بلهفة: متى تعود يا بني..؟

أجاب كلارك: في الواقع، لقد عدت منذ يومين.

فاندفع الأب يسأل بدهشة: حقاً، ولكن لِـمَ لمْ تعد إلى البيت؟ أنا وأمك نشتاق لك كثيراً.

قال كلارك: لا أستطيع الآن يا أبي.

فتساءلت الأم على الفور: ما الذي يشغلك عنا يا بني..؟

قال كلارك: ليس الأمر كما تحسبين يا أمي، ولكن معي صديق فقد ذراعيه وقدمه اليمنى في الحرب، وبالكاد يتحرك، ولا أستطيع أن أتركه لوحده..

قالت الأم: يا بني لست ملزماً به.

فتشجع كلارك، وتساءل: لقد كنت أتساءل؛ هل أستطيع أن أحضره معي يا أبي؟

فاندفع الأب يقول ذاهلاً: ماذا.. تحضره معك!؟

قال كلارك: نعم، أنا لا أستطيع أن أتركه، وهو يخشى أن يرجع لأهله بهذه الصورة، ولا يقدر على مواجهتهم، وهو حتى يتساءل: هل يا ترى سيقبلونه على هذا الحال، أم سيكون عبئاً وعالة عليهم؟

قال الأب: يا بني، مالك وله، اتركه لحاله. دع الأمر للمستشفى ليتولاه. ولكن أن تحضره معك، فهذا مستحيل، من سيخدمه؟ أنت تقول إنه فقد ذراعيه وقدمه اليمنى، سيكون عالة عليك وعلينا. من سيستطيع أن يعيش معه؟

وقالت الأم: كلارك بني. لا شأن لك به، عد إلينا. على كل إنسان أن يواجه مصيره بنفسه، فإن كان يستدر عطفك ويحاول أن ينال شفقتك، فإنه جدير بك أن تريه أن هذا لا ينفع في شيء.

وقال الأب: إسمع يا بني. إن من هو مثله عبء حتى على عائلته، فلماذا تتمسك بإحضاره معك، ليبقى معنا. كلارك.. هل ما زلت تسمعني يا بني؟ لماذا لا ترد..؟

قال كلارك: أنا أسمعك يا أبي، هل هذا هو قرارك الأخير؟

قال الأب: نعم يا بني، اتصل بأحد من عائلته ليأتي ويتسلمه ودع الأمر لهم.

سأل كلارك: ولكن هل تظن يا أبي أن أحداً من عائلته سيقبله عنده هكذا؟

قال الأب: لا أظن يا ولدي، وسأتفاجأ إن فعلوا، فلا أحد يقدر أن يتحمل مثل هذا العبء!

قال كلارك: حسناً يا أبي، لا بد أن أذهب الآن، وداعاً.

وبعد يومين من المحادثة، انتشلت القوات البحرية جثة المجند كلارك من مياه خليج كاليفورنيا بعد أن استطاع الهرب من مستشفى القوات الأمريكية، بخداع أحد زملائه، وإيهامه أنه يتمنى رؤية مياه الخليج، فغافله وانتحر برمي نفسه من فوق أحد الجسور!

دعي الأب لاستلام جثة ولده.. وكم كانت دهشته عندما وجد جثة الابن بلا ذراعين ولا قدم يمنى، فأخبره الطبيب أنه فقد ذراعيه وقدمه في الحرب!

عندها فقط فهم!

لم يكن صديق ابنه هذا سوى الابن ذاته «كلارك» الذي أراد أن يعرف موقف الأبوين من إعاقته قبل أن يسافر إليهم ويريهم نفسه.

إن الأب في هذه القصة يشبه الكثيرين منا، ربما من السهل علينا أن نحب مجموعة من حولنا دون غيرهم لأنهم ظرفاء أو لأن شكلهم جميل، ولكننا لا نستطيع أن نحب أبدا «غير الكاملين» سواء أكان عدم الكمال في الشكل أو في الطبع أو في التصرفات، ومن تتطلب العناية بهم جهداً وكلفة.

 

كلمات

ـــ تشير الدراسات النفسية والتربوية حول أسباب التعصب وعدم التسامح، إلى أننا نعاني ممارسات عدوانية تجاه الاختلاف ونتج كل هذا من الثقافة السابقة التي تربى عليها معظمنا، وعدم القدرة على التعبير بصورة إيجابية عن الذات بصورة واضحة، وتبدأ المشكلة انطلاقاً من الأسرة إلى المدرسة وتنتهي بالمجتمع.

 

ـــ يتوجب أن نعرف إن الآخر هو كل إنسان مختلف عنا، بغض النظر عن نوع هذا الاختلاف. وهو كل من يكون خارج دائرة الأنا، ويمكن أن يكون شخصاً قريباً أو شخصاً يختلف عنا من حيث اللون، والجنس، والعادات، والتقاليد، أو حتى التوجه السياسي والديني. لذا، فإن عدم التسامح يمكن أن يعزل الإنسان تماماً عن مجتمعه.

 

ـــ تقبل الآخر والاختلاف يعني احترام الآخر وتقديره، وهذا يرتبط بدرجة أساسية بتقبل الذات، فإذا تقبلت ذاتك فلا شك في أنك ستتقبل الآخرين بكل سرور. قبول الآخر والاختلاف بدأ منذ الخلق حينما خلق الله أبانا آدم، خلق له كائناً آخر هو أمنا حواء، وهما أول مثال لقبول الآخر، فقد عاشا بسلام ومحبة، وكانت أول مأساة مع الآخر؛ هي هابيل مع أخيه الذي قتله. فكان هذا مثالاً سلبياً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات