الحياة.. أغلى من الضغينة

السجن قاس، ولكن الظلم أقسى، ناهيك عن أن يجتمع الأمران معاً في حالة إنسان واحد. أي، أن يتهم زوراً وبهتاناً بجريمة لم يرتكبها، ويحكم عليه بالسجن سنوات طويلة، يقضيها خلف القضبان مداناً، لا يصدقه أحد، بينما تمضي الحياة في الخارج دون أن تنتظره، فيفقد فرصه فيها وأحلامه وطموحاته، ويخسر شبابه وأعز أحبائه وهو بعيد عنهم، دون ذنب أو جريرة.

وبعد سنوات طويلة، تفتح أبواب السجن ويخبرونه أن النظام القضائي ارتكب خطأ، وأخذ بشهادة شاهد لم يكن جديراً بالثقة.

وبعد السجن يلتقي بالرجل الذي اتهمه ظلماً، فلا يكون لديه سوى التسامح في التعامل معه، فيقابله دون أحقاد، وبنفس هادئة مطمئنة، لا ضغينة فيها..

يصعب تخيل ذلك، ولكن هذا ما حدث فعلاً مع ريكي جاكسون البالغ من العمر خمسة وسبعين عاماً.

في العام 1975، اعتُقل جاكسون واثنان من أصدقائه على خلفية اتهامهم بقتل رجل في بقالة في كليفلاند في أوهايو الأمريكية. وتم الحكم على المتهمين، وقضى اثنان منهم فترة سجن بلغت 39 عاماً، قبل أن يُطلق سراحهما العام 2014. وقد اعتُقل جاكسون ورفاقه بناء على شهادة صبي بالغ من العمر 12 عاماً، لكن تبين بعد كل هذه السنوات الطويلة أنه لم يقل الحقيقة.

كان الصبي يعلم بأنه لم يقل الحقيقة، وعايشه الشعور بالإثم والذنب. وقرر بعد كل هذه السنين أن يخبر القس في منطقته بأنه كذب على الشرطة، والمدعين العامين. وقال بأنه فعل ذلك لمساعدة الشرطة التي تواطأت في شبكة أكاذيب دمرت حياة الناس. وقد أمره القس بأن يتواصل مع جاكسون ورفيقه، أما الرجل الثالث الذي كان قد اعتقل معهما فقد كان أُطلق سراحه عام 2003.

وفي أواخر عام 2014، التقى ريكي جاكسون بمن اتهمه زوراً، وحين التقى ريكي لم يكن اللقاء مليئاً بالضغينة، بل لقاء حمل التسامح والعفو. وقال له ريكي:

- حسناً يا أخي، أنا وأنت كلانا من الضحايا، وأنا قد سامحتك، أنا هنا شخصياً لأخبرك بذلك.

أصبح ريكي جاكسون حراً بعد 39 عاماً من السجن بسبب جريمة قتل لم يرتكبها، وقد قضى أطول مدة في السجن من أي سجين أمريكي وجد أنه بريء.

يقول ريكي جاكسون:

- حينما أطلق سراحي، لم أفكر بالانتقام. بل قررت أن أعيش حياة جيدة، وأن لا أضيع ما بقي من حياتي في الضغينة.

لقد نشأ جاكسون على الجانب الشرقي لكليفلاند، كان الابن الأول لأسرة كبيرة من الطبقة العاملة. وفي سن الثامنة عشرة، انضم إلى قوات المارينز، آملًا أن يصنع مهنة في الجيش، ولكن في غضون عام مُنِحَ تفريغاً مشرفًا لسلوكه وأدائه وتمت إعادته إلى أمريكا. وبعد وقت قصير من عودته، تم اعتقاله مع اثنين من أصدقائه بتهمة قتل هارولد فرانكس خارج متجر الحي، مكان القتيل عمله، حيث قام اثنان من المهاجمين برش حمض على وجهه، ثم أطلقوا عليه الرصاص، عدة مرات، وسرقوا مبلغاً من المال يقارب أربعمئة دولار، وهربوا.

لم تعثر الشرطة على سلاح الجريمة أبداً، في حين أصر جاكسون وصديقاه الأخوان إيلي وروني بريدجمان، على أنهم كانوا في مكان آخر وقت إطلاق النار ولم يروا القتيل.

لكن المحققين حصلوا على شهادة من إدي فيرنون، البالغ من العمر 12 عاماً، الذي كان يعرف جاكسون والأخوين بريدجمان. ووفق شهادته التي أدلى بها للشرطة فإن جاكسون أطلق النار على المجني عليه، بينما قام روني بريدجمان برش الحمض على الضحية، أما أخوه فقد قاد سيارة الهرب. وعلى الرغم من أن الشاهد فشل في التعرف على المشتبه بهم لدى عرضهم عليه، وأن العديد من زملائه شهدوا أنه كان معهم في المدرسة ساعة وقوع الجريمة، ويستحيل أن يكون شهدها، إلا أن ثلاث هيئات محلفين منفصلة قبلت رواية الشاهد المطعون به. فأدين جاكسون والأخوان بريدجمان بالقتل وحكم عليهما بالإعدام.

لم ينكسر جاكسون وبقي يصارع من أجل إثبات براءته، ولم يشأ أن تمر حياته هباء، فمنح نفسه لمكتبة السجن، وكان غالباً ما يقرأ كتاباً يومياً. وكتب الرسائل إلى الصحافيين ومخرجي السينما، وإلى أي شخص قد يكون مهتماً بقضيته. وفي العام 2011، تراجع إدي فيرنون عن شهادته واعترف أن الشرطة أرغمته على اتهام جاكسون والأخوين بريدجمان. وفي عام 2014، أسقطت التهم الموجهة إلى الرجال الثلاثة، وتم الإفراج عنهم، بعد أن قضوا أربعة عقود من حياتهم خلف القضبان.

التقى إدي فيرنون بجاكسون وبريدجمان بعد الإفراج عنهم واعتذر عن توريطهم. جاكسون غفر له. وقال: «لقد كان طفلاً صغيراً أخرق. إضافة إلى ذلك، لم يكن هو من وضعنا هناك فعلاً. كان مجرد أداة. لقد كان المحامون والشرطة ونظام العدالة المكسور هم من فعل ذلك. ولهذا، فإني أتوقع أن يكون هناك خلف القضبان الكثير من الأبرياء الذين لن يحصلوا على العدالة. وبهذا المعنى، أشعر أنني محظوظ».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات