درس.. حبات البطاطا

لم يكن درس التسامح سهلاً على المُدرِّسة، كان الأطفال في صفها كلما تحدثت محاولة شرح معنى التسامح، ينطلق الأطفال في صخب محاججين أنهم تعلموا أن القانون بدأ بقاعدة «العين بالعين والسن بالسن»، وأن هذا هو الأصل في الأشياء.

لم تقنعهم المُدرِّسة حينما استشهدت بمقولة للزعيم الهندي، صاحب مبدأ اللاعنف، المهاتما غاندي، الذي قال:

- مبدأ «العين بالعين» يعني أننا سنصبح سريعاً مجتمعاً من العميان.

ومع ذلك لم تيأس، وقررت أن توضح لهم مفهوم التسامح بطريقة قريبة من نفوسهم، سهلة على عقولهم، وتتلاءم مع تفكيرهم.

وهكذا، أخبرتهم أنها قررت أن تجعل الأطفال يلعبون لعبة تمتد لمدة أسبوع كامل.

تحمس الأطفال، وكانوا في سعادة لسماعهم أنهم سيلعبون لعبة تستمر مدة طويلة، وتعالت أصواتهم يرجون مدرستهم أن تخبرهم عن اللعبة، التي اختارتها لهم.

قالت المدرسة:

- حسناً.. على كل واحد منكم أن يأتي يوم غدٍ وفي حقيبته عدد من حبات البطاطا بعدد الأشخاص الذين تكرهونهم، أي من يكره شخصاً واحداً عليه أن يحضر حبة بطاطا واحدة، ومن يكره اثنين فليحضر حبتي بطاطا، ومن يكره ثلاثة فليحضر ثلاثاً، وهكذا..

هتف أحد الأطفال:

- أنا أكره كثيرين..!

قالت له:

- أحضر حبات بطاطا بعددهم، واكتب على كل حبة اسم واحد منهم.

وفي اليوم التالي، جاء الأطفال إلى المدرسة، وفي حقيبة كل واحد منهم عدد من حبات البطاطا، موسومة بأسماء الأشخاص الذين يكرهونهم.

كان بعضهم قد غالى قليلاً، فأحضر عدداً من حبات البطاطا أثقل عليه حقيبته، وهؤلاء كانوا متعجلين يعتقدون أنهم سيتخلصون من البطاطا في الصف، إلا أن المُدرِّسة أخبرتهم أن حبات البطاطا ستبقى في حقائبهم، يأتون بها معهم في الصباح إلى المدرسة، ويعيدونها معهم في الظهيرة إلى البيت..

لم يكن وقع هذا الخبر جيداً عليهم، فاستأذنوا أن يتخلصوا من بعض الحبات الزائدة، فلم توافق لهم المُدرِّسة على ذلك.

في اليوم التالي، كان الذين اختاروا حبات بطاطا كثيرة نادمين على اندفاعهم، بل بات بعض منهم يراجع نفسه، ويعلن أنه لا يكره حقاً «فلان» ولا «علان»، وكان سيوفر على نفسه بعض العناء لو لم يندفع إلى إعلان كراهيته لهم.

وبمرور الأيام، بدأت حبات البطاطا تتعفن، وراح الأطفال يشتمون رائحة كريهة تخرج من حقائبهم التي أودعوا فيها البطاطا، والأسوأ أن الرائحة تنتشر بقوة كلما فتحوا الحقائب لإخراج دفتر أو كتاب أو قلم، وبدا لهم الأمر لا يطاق، ناهيك عن أن حبات البطاطا نفسها مهما كان عددها ووزنها، فهي وزن زائد يثقل حقائبهم، وكانوا في غنى عنه، إذ إن كتبهم ودفاترهم هي نفسها ليست خفيفة.

بعد مرور أسبوع، فرح الأطفال لأن اللعبة انتهت.

سألتهم المدرسة:

- ما شعوركم وإحساسكم أثناء حمل كيس البطاطا لمدة أسبوع؟

فبدأ الأطفال يشكون التعب ومعاناتهم من الرائحة الكريهة، التي كانت تخنقهم طوال يومهم، ناهيك عن ثقل حقائبهم، التي يضطرون لحملها في الصباح والمساء.

بعد ذلك بدأت المُدرِّسة تشرح لهم المغزى من هذه اللعبة.

قالت:

- هذا الوضع هو بالضبط ما يحصل حينما تحمل كراهية لشخص ما في قلبك. فالكراهية ستلوث قلبك، وتجعلك تحمل الكراهية معك أينما ذهبت، وتفسد عليك حياتك، ويبتعد الناس عنكم مثلما ابتعدوا عنكم بسبب رائحة البطاط المتعفنة، فإذا لم تستطيعوا تحمل رائحة البطاطا لمدة أسبوع فهل تتخيلون ما تحملونه في قلوبكم من كراهية طول عمركم.

وقالت المُدرِّسة:

- الكراهية تثقل قلب الإنسان، وتتعفن داخل نفسه، حتى يصبح هو نفسه منفراً، يبتعد عنه الناس.

تخلص الأطفال من حبات البطاطا، ومنذ ذلك الحين لم يعودوا يتسرعون في كره الآخرين والاستسلام لمشاعر الكراهية البغيضة، وباتوا يحاولون أن يكونوا متسامحين أكثر، يبذلون جهدهم في تقبل الآخرين، وإيجاد العذر لهم، والصبر عليهم.

ومن المؤكد أن لا أحد يريد أو يحب أن يحمل في قلبه كراهية يمكنها أن تتعفن مثل حبات «بطاطا»، فتنشر الرائحة الكريهة في نفسه وروحه، بينما من المؤكد أن الجميع سيجدون الراحة في تعريض أنفسهم لنسائم التسامح، التي تطهر أرواحهم، وتبقيهم في انسجام مع إنسانيتهم، على مستوى الاستجابة لقيم الأخوة الإنسانية.

 

كلمات

نمط العلاقات الإنسانية القائم داخل الأسرة يحدد طبيعة القيم التي سيتشبع بها الفرد، من تعلم للتسلط ورفض الآخر، أو على النقيض من ذلك تعلم قيم النقاش والحوار والتسامح وقبول الآخر، ما يجعل دور الأسرة في تقبل الآخر وعدم التسلط على أفكاره وقبول قيم التسامح دوراً أساسياً.

 

يتمثل التسامح بالمرونة، والرقة، والحرية، واحترام الآخر، والتكافؤ والعدل والمساواة. والعلاقات المبنية على التسامح علاقات صحية. ويكاد يجمع المربون بأن هذا النوع من العلاقات يؤدي إلى تحقيق التوازن التربوي والتكامل النفسي في شخص الأطفال: كالجرأة، والميل إلى المبادرة، والإحساس بالمسؤولية، والقدرة على التكيف الاجتماعي.

 

تلعب الأسرة دوراً أساسياً في نشر التسامح من خلال ترسيخ مبادئ الوسطية والاعتدال في معتقداتهم وأفعالهم وأقوالهم، وتنمية روح الانتماء والمواطنة. ومن المهم توعية الأطفال بأهمية الأمن باعتباره مطلباً وحاجة إنسانية للجميع، ولا تتحقق في التشدد والتعسف ولكن بالتسامح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات