غاندي.. صاحب مأثرة اللاعنف

يُعَدُّ المهاتما غاندي من أوائل الداعمين للثقافة التي تنبذ العنف، كما أنّه يُعَدُّ من أوائل المُشجِّعين، والمُؤيِّدين للمُقاومة السلميّة، بالإضافة إلى أنّه عُرِف بمُناصرة المنبوذين في دولته، وكان من الأشخاص الذين بذلوا جهدهم كلّه؛ في سبيل حماية وطنه بشكل سلميّ، ومقاومة الاحتلال البريطانيّ، إلّا أنّه في السنوات الأخيرة التي عاشها توجَّه نحو دعوة الهندوسيِّين القاطنين في الهند إلى احترام الديانات الأخرى الموجودة هناك، ومن هذه الديانات ديانة الإسلام؛ حيث دعاهم إلى احترام حقوق المسلمين، إلّا أنّ ذلك الطلب أدّى إلى استشاطة غضب الهندوسيّين المُتعصِّبين، فاتّهموه بالخيانة، ثمّ اغتالوه.

وُلِد موهانداس كرمشاند غاندي، المشهور بلقب المهاتما، الذي يعني: الروح العظيمة، في اليوم الثاني من شهر أكتوبر من عام 1869م في الهند، وتحديداً في مدينة بوربندر الواقعة في مقاطعة كجرات، حيث تقع بين مدينة السند، ومدينة بومبي.

وبالنظر إلى نشأة غاندي، نجد أنّه قد نشأ ضمن عائلة لها تاريخ طويل في العمل السياسيّ؛ حيث إنّ جدّه تولّى رئاسة الوزراء في بوربندر، بالإضافة إلى أنّ والده كان وزيراً في الحكومة، كما كانت أسرته من الأُسَر المرموقة، وقد كان لنشأته في مثل هذه الأسرة دور كبير في الوصول إلى المكانة التي وصل إليها، وكانت والدته على وجه الخصوص أحد الأسباب الرئيسيّة في نشوئه بهذا القَدر من الأخلاق، والعَظَمة؛ كما أنّ جدّه أيضاً (أوتا غاندي) كان رجلاً ذا أخلاق، وسِمات رفيعة، على الرغم من كثرة انشغالاته السياسيّة.

أمضى غاندي طفولة عاديّة، وطبيعيّة جدّاً في صِغره، وعندما بلغ الثالثة عشرة من عمره تزوَّج؛ نظراً لأنّ العادات الهنديّة تنصُّ على ذلك، وكانت حصيلة هذا الزواج أربعة أطفال.

تُوفِّي والد غاندي وهو في سِنّ السابعة عشرة، فتولّاه أخوه الكبير، ثمّ رشَّحه؛ لتولّي رئاسة الأسرة، والترقِّي ليحتلَّ مركزاً في الوزارة، مثل والده؛ وذلك لأنّه لاحظ فيه الذكاء، والمقدرة على العمل، والاجتهاد، حيث كان لا بُدّ له من أن يتعلَّم في جامعة في الهند، أو في الخارج؛ ليصبح جاهزاً لتولّي هذا المنصب، وكان لديه خياران للدراسة؛ إمّا في جامعة بافنجار، أو جامعة بومبي التي كانت تتطلَّب نفقة كبيرة، ما أدّى إلى اختياره للجامعة الأولى، وتحديداً كُلّية ساملداس فيها، وما إن حلّت نهاية السنة الأولى حتى عاد إلى منزله، علماً بأنّ صديقاً لعائلته نصحه بأن يسافر إلى الأقطار الأجنبيّة لدراسة القانون، وعلى الرغم من أنّه كان يُحبِّذ دراسة الطبّ أكثر، إلّا أنّ أخاه ذكَّره بأنّ والدهما كان لا يُفضِّل هذا التخصُّص، بالإضافة إلى أنّ هذه المهنة كانت لا تُؤدّي إلى تنصيبه؛ لرئاسة الوزارة، وبالتالي اختار دراسة القانون، تكريماً، واحتراماً لوالده.

مارس غاندي مهنة المحاماة مدّة سنتَين في الهند، إلّا أنّ محاولاته فيها باءت بالفشل؛ إذ كانت أولى تجاربه، كما أنّ الحظّ لم يُحالفه لدى محاولته تكرار هذه التجربة، بالإضافة إلى أنّ كيفيّة عمله في هذه المهنة لم تكن مُرضيةً له؛ حيث آثر على نفسه أن يمارسها بصدق، بحيث يبتعد كلّ البُعد عن محاولة كسب القضايا بالحِيَل. ومن الجدير بالذكر أنّ غاندي سافر بعد ذلك إلى مناطق جنوب أفريقيا لتقديم المساعدة إلى مُحامِين كبار من الأجانب، وليس لمُمارستها، ومن خلال هذه الرحلة، عرف القضيّة التي يجب أن يُفنيَ حياته في سبيلها، ووضعَ قَدَمه على بداية الطريق، حيث انتهى به ذلك بترؤسه للهند كاملة، ثمّ وضع دستور البلاد عام 1908م، الذي أدّى إلى استقلال الهند.

ومن المهمّ بمكان ذِكر أنّ غاندي كان يُقيم حملات للمُقاومة السلميّة في الهند، حيث تبعه بعض الهنود في هذه الحملات بسبب إيمانهم الشديد به، وبمُعتقداته التي تدعو إلى نَبذ العنف، واجتنابه، بالإضافة إلى أنّ بعض العُمّال الذين يسكنون في الجنوب، ومنهم: صينيّون، وإندونيسيّون، وهنود، ووثنيّون، وزنوج لم يكونوا مؤمنين بمبادئ زعمائهم، كانوا جميعهم يتبعون غاندي؛ وذلك لأنّهم يعلمون مقدار إخلاصه، وموثوقيّته، وممّا يجدر ذِكره أنّ غاندي كان يترك الأعمال التي تؤول إلى الربح المادّي كلّها، حيث وهب ماله في سبيل إعانة المُحتاجين والمظلومين، فكان يسكن معهم، ويأكل من طعامهم، كما أنّه تخلّى عن مظاهر الحضارة كلّها، فتبعه الجميع دون أدنى شَكٍّ منهم.

اغتِيلَ المهاتما غاندي على يد بعض المتشددين الهندوس الذين اشتدَّ غضبهم نتيجة دعوته لاحترام المسلمين، واحترام حقوقهم، وتوفِّيَ في الثلاثين من يناير من عام 1948م، عن عُمر يُناهز 78 سنة.

أشتهرت عن غاندي الكثير من الأقوال الحكيمة، التي كانت تمثل مبادئ راسخة يؤمن بها. ومنها: « كثيرون يلتفون حول السلطة وقليلون حول الوطن» و«الضعيف لا يسامح أبداً، التسامح هو صفه الأقوياء» و«مبدأ العين بالعين يمكنه أن يصيب العالم بأكمله بالعمى».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات