الأم تريزا.. الإيمان بالقيم الإنسانية

لم تكتسب الأم تريزا شهرتها بسبب اعتقاداتها الدينية، ولا بسبب مهنة أو مال. كما أنها نالت العديد من الجوائز العالمية بما في ذلك جائزة نوبل، ليس لإنجاز علمي حققته، ولكن لجهودها الكبيرة في رعاية المحرومين والضعفاء، دون تمييز بين إنسان وآخر، وبغض النظر عن لون البشرة والدين والعرق.

والمفارقة أن آغنيس غونكزا بوجاكسيو. الألبانية المولودة عام 1910، كانت هي ذاتها مجرد امرأة، وهي بهذا، حسب العرف والثقافة السائدة في أغلب بقاع الأرض، مجرد كائن ضعيف؛ إلا أنها أحدثت فرقاً، وأحيت في العالم الإيمان بالقيم الإنسانية، وعلى رأسها التسامح.

عام 1931 دخلت آغنيس في سلك الرهبنة واتخذت لنفسها اسم «تريزا»، ولم تلبث أن انتقلت إلى البنغال وتعلمت اللغة المحلية. وكانت تشعر بانزعاجٍ متزايد من الفقر المحيط بها في كلكتا. وتأثرت بما جلبته مجاعة البنغال 1943 البؤس والموت للمدينة، فضلاً عن فترة العنف بين المسلمين والهندوس.

وفي العام 1948 اهتمت الأم تريزا بالعناية بالأطفال المهمّلين، وعلى إثر ذلك خلعت زي الرهبنة ولبست الساري الهندي القطني بلونه الأبيض والخط الأزرق الذي عرفت به فيما بعد، فأسست بمعونة بعض المحسنات ومحبات الخير جمعيتها لراهبات المحبة عام 1950، التي اهتمت بالأطفال المشردين والعجزة.

عام 1957 اهتمت بموضوع المجذومين وعمدت إلى العناية بهم، ومع اتساع نطاق عملها أسست جمعية أخوة المحبة عام 1963 الخاصة بالرهبان. وعندما بلغت الخامسة والسبعين من عمرها، ذهبت إلى إثيوبيا لمساعدة المنكوبين هناك وإغاثتهم بعد أن تفشت المجاعة في بلادهم وتشرّد على إثرها الآلاف.

لم تهتم الأم تريزا بالمال يوماً، كانت تُصرّ على المساعدة والمشاركة الشخصية؛ وكان ذلك جزءاً من شخصيتها اللافتة، التي أُعجب بها الكثير من الناس، مقدرين مواقفها الإنسانية من إغاثة المنكوبين والمحتاجين والفقراء في المناطق الموبوءة بالأمراض والمبتلية بالمجاعات.

وتجرأت الأم تريزا على العمل في الأحياء الفقيرة. ومنذ بداية عام 1949، انضمت إليها مجموعة من الشابات، فوضعت أساساً لجمعية دينية جديدة تساعد «أفقر الفقراء». وجذبت جهودها انتباه المسؤولين الهنود بسرعة، بما فيهم رئيس الوزراء.

كتبت الأم تريزا في مذكراتها أن عامها الأول كان محفوفاً بالصعوبات. فلم يكن لديها دخل، واضطرت لاستجداء الطعام والإمدادات، وعانت من الشك والوحدة وإغراء العودة إلى الحياة المريحة في الدير، ولكن التزامها نحو الفقراء كان يشدها إلى البقاء.

في كلماتها، كانت تيريزا تبدي اهتماماً بـ«الجياع والعراة والمشردين والمشلولين والمكفوفين والمحرومين وجميع الناس الذين يشعرون بأنهم منبوذون أو غير محبوبين أو غير مرغوب فيهم، والناس الذين أصبحوا عبئاً على المجتمع». وبحلول عام 1997، نمت «جماعة كلكتا» لتضم أكثر من 450 كاهناً و4000 راهبة تعنين بدور الأيتام ومراكز الإيواء والمراكز الخيرية حول العالم. قاموا بإدارة 600 بعثة ومدرسة وملجأ في 120 دولة.

تصف الأم تيريزا نفسها فتقول: «بالدم، أنا ألبانية. بالمواطَنة، أنا هنديّة. بالإيمان، أنا راهبة كاثوليكية. أما عن دعوتي، أنا أنتمي إلى العالم». قامت الأم تيريزا بعدّة زيارات خارج الهند لأسباب إنسانية؛ عام 1982، في ذروة حصار بيروت، أنقذت تيريزا 37 طفلاً كانوا محاصرين في مستشفى على الخطوط الأمامية خلال الوساطة لهدنة وقف مؤقت لإطلاق النار بين جيش الاحتلال الإسرائيلي والمقاتلين الفلسطينيين.

لا تعد الخدمات الجليلة، التي قدمتها الأم تريزا، بالأرقام. ولكن بما انطوت عليه من قيم إنسانية عظيمة، على رأسها التسامح، ودورها العظيم في لفت انتباه العالم إلى آلام وعذابات الإنسان، أينما كان.

في أبريل 1996، تعرضت للسقوط وكسرت عظمة الترقوة، كما أصيبت بعد أربعة أشهر بالملاريا وقصور القلب. على الرّغم من أنها خضعت لجراحةٍ في القلب إلا أن صحّتها أخذت في التراجع بشكلٍ واضح. في 13 مارس 1997، استقالت الأم تريزا من منصبها كرئيسة للبعثات التبشيرية الخيرية، وتوفيت في 5 سبتمبر في العام نفسه.

للاحتفال بالذكرى المئة لميلادها، أصدرت حكومة الهند عملة خاصة بقيمة 5 ريالات (مبلغ من المال كان مع تريزا عند وصولها إلى الهند) في 28 أغسطس 2010. وفي سنة 2016 رفع البابا فرنسيس الأم تيريزا إلى مرتبة القديسين تقديراً لمساعداتها الإنسانية وتضحياتها، وأعلن تاريخ وفاتها عيداً. وبدءاً من 5 سبتمبر 2013، حدّدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم وفاتها باليوم الدولي للعمل الخيري.

 

في عالم اليوم المضطرب الذي تكدره الخلافات العديدة والشحناء، تأتي حياة الأم تريزا وإنجازاتها بأمل قشيب يمد البشرية بالايمان بالمستقبل.

فاراجاجيري فينكاتا جيري ــ رئيس هندي

 

إنّ البشريّة بأجمعها مدينة للأم تريزا بكلّ ما فعلته، وبقدوة بذل الذات في سبيل الآخرين التي قدّمتها. لقد حققت أعظم نجاحٍ في خدمة الإنسانية.

جيمي كارتر ــ رئيس أمريكي

 

من وجهة نظرٍ بوذيّة، يمكن اعتبارها «بوذيساتفا»، أي إنساناً حكيماً عزف عن خلاصه النهائيّ لكي يعود للأرض، ليساعد المتألّمين على التحرّر.

الدالاي لاما ــ زعيم روحي بوذي

 

يكفي التقاء الأم تريزا الكلكتّاويّة مرّة واحدة كي يتعذّر نسيانها. ليس المهم ما تقول، فالعالم حافلٌ بالأقوال الجميلة، بل المهمّ هو ما فعلته وما كانت هي عليه.

دون هيلر كامارا ـــ كاردينال

طباعة Email
تعليقات

تعليقات