صلاح الدين.. مثال التسامح الإسلامي

اتسم صلاح الدين في معاملته للصليبيين بالالتزام الدقيق بالتعاليم الإسلامية التي تنادي بتكريم الإنسان واحترام مشاعره، وذلك انطلاقاً من إيمانه العميق بأن البشر أبناء أسرة واحدة.. ويتجلى خير أنموذج لهذا التسامح الإسلامي الكريم في موقف صلاح الدين الأيوبي من أخطر حصون الصليبيين في بلاد الشام وهو قلعة الكرك، التي كان يتولى الإشراف عليها أخطر أمرائهم، وهو رينالد دي شاتيون الذي عرف عند العرب باسم أرناط، واشتهر بأنه لا يقيم للعهود والمواثيق وزناً أو احتراماً، كما دأب على قطع الطريق من هذه القلعة على قوافل المسلمين التجارية بين العراق وبلاد الشام ومصر، فضلاً عن مهاجمة قوافل الحجاج المسلمين.

لذلك كان من أهم أهداف صلاح الدين الأيوبي الاستيلاء على هذه القلعة وتأديب سيدها الجاحد الغادر، فطالما بقيت هذه القلعة في يد رينالد دي شاتيون «أرناط». وأتم صلاح الدين استعداده للهجوم على هذا الحصن وعسكر أمام أسواره فعلاً في نوفمبر سنة 1183م وتصادف في هذا الشهر أن الصليبيين كانوا يقيمون حفل زواج مهيب في القلعة الشهيرة، توافد عليه الضيوف من الصليبيين دون أن يدروا أن صلاح الدين في الطريق لحصار القلعة المنيعة، وما كاد الصليبيون يبدؤون مراسم الاحتفال، حتى أفزعتهم الأنباء عن الوصول المفاجئ لقوات صلاح الدين وتطويقه القلعة، وأن مجانيقه أخذت ترمي الأبراج الأمامية للقلعة، وسيطر الفزع على الصليبيين وبخاصة حين هرب سيد القلعة نفسه أرناط.

وهنا أقدمت والدة العريس على خطوة تعرف وقعها على صلاح الدين الأيوبي بما اشتهر عنه من روح إنسانية نبيلة، وإيثاره التسامح في جميع أعماله حتى في العمليات الحربية نفسها، إذ أعدت صحونا من طعام العرس، وبعثت بها إلى صلاح الدين، وأرسل صلاح الدين مقابل ذلك يسأل بأي الأبراج ينزل العروسان؟ ثم أصدر الأوامر بألا يتعرض هذا البرج للقصف، وبرغم سيطرته الكاملة على الموقف، إلا أن إنسانية صلاح الدين وحرصه على تطبيق كل قيم ومبادئ التسامح، فرضت عليه أن يستجيب لطلب الصليبيين عقد هدنة تتيح لضيوف العرس الحرية في العودة إلى ديارهم.

وتتجلى أيضاً إنسانية صلاح الدين الأيوبي في التعامل مع أسرى الصليبيين والاستجابة لمطالبهم المشروعة وعدم إهدار حق واحد من حقوقهم؛ خاصة حين سار بعد انتصاره في حطين إلى بيت المقدس لاستردادها، إذ أكرم كل من استسلم له من كبار الصليبيين الذين كانوا يمتلكون مدن الساحل الفلسطيني ومن بين هؤلاء كونتيسة طرابلس، التي عاملها صلاح الدين بما يليق بها من الحفاوة والتشريف، وأذن لها ولحاشيتها بالتوجه إلى طرابلس.

وتحرك صلاح الدين بعد ذلك إلى عسقلان، فحاصرها، وكان ملك بيت المقدس أسيراً عند السلطان منذ موقعة حطين، فأرسل إلى السلطان في أن يطلقه مقابل نصحه للصليبيين الموجودين في عسقلان بترك المقاومة وتسليم المدينة، فوافق صلاح الدين على ذلك. وقد استجاب الصليبيون للنصح بعدما تأكدوا من حرج موقفهم وطلبوا الأمان وتسليم المدينة، فأجابهم صلاح الدين وخرجوا بنسائهم وأولادهم وأموالهم إلى بيت المقدس آمنين، وتسلم صلاح الدين المدينة بعد احتلال صليبي لها مدته خمسة وثلاثون عاماً.

وتسجل صفحات التاريخ أن صلاح الدين أوفى بوعده مع ملك بيت المقدس، إذ أطلق سراحه في أثناء حصاره لحصن الأكراد، وشرط عليه ألا يشهر في وجه السلطان سلاحاً أبداً، فوافق على ذلك، لكنه ما إن بلغ مأمنه في صور حتى نسي العهد وانضم هناك إلى الصليبيين في قتال صلاح الدين. وسمح صلاح الدين لأهل عسقلان بعد استسلامهم بأن يغادروها وأن يحملوا معهم أمتعتهم، وتولى عساكره حراستهم إلى مصر، حيث جرى توفير أسباب الراحة لهم في أثناء مقامهم بالإسكندرية حتى رحيلهم إلى بلادهم في أوروبا.

وتتعدد مواقف صلاح الدين في التسامح؛ إذ يذكر التاريخ أن سيدة من نساء الصليبيين فقدت رضيعها في الفوضى والاضطراب الذي حل بالصليبيين بعد هزيمتهم في معركة حطين، فتعالى صراخها حتى وصل خبرها إلى ملوكهم، فقالوا لها: إن صلاح الدين رجل رحيم القلب، وقد أذن لك في الخروج إليه، فاخرجي واطلبيه منه، فإنه يرده عليك.

فخرجت تستغيث إلى العسكر السلطاني، فأخذوها إلى السلطان، فأتته وبكت بكاء شديداً ومرغت وجهها في التراب، فسأل عن قضيتها فأخبروه بما حدث لها فرق قلبه ودمعت عيناه، وأمر بإحضار الرضيع فوراً ولما بحثوا عنه وجدوه قد بيع في السوق، فأمر بإعادة شرائه. ولم يزل واقفاً حتى أحضر الطفل وسلمه إليها، ثم أمر بها فحملت على فرس وأُعيدت إلى قومها مع طفلها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات