عبرة.. العابد والغني

الناس متساوون أمام خالقهم، لا يتمايزون إلا بالتقوى والعمل الصالح. ورب عابد متنسك لا يعدل رجلاً تقياً يملأ حياته بصالح الأعمال وحسن السلوك..

وفي هذا، حكاية من تراثنا، تقول:

رفع أحد المتعبدين عينيه نحو السماء، يدعو الله سبحانه وتعالى أن يمنحه حسن الختام، وأن يجعله مع الصديقين والأولياء. وفيما رقد في فراشه، راح يتذكر حياته التي قضاها في العبادة، وخلد إلى النوم مطمئناً إلى أنه بذل طاقته كاملة في طاعة الله، ولكن ما إن تسرب النوم إلى عينيه، حتى رأى رؤيا، رأى نفسه فيها، في مرتبة واحدة مع أحد الأثرياء، لم يعرف عنه المبالغة في العبادة، وكان مشغولاً في تجارته وأعماله.

تعجب ذلك العابد المتنسك كيف يكون هو، بعد كل ذلك الجهاد الروحي، وذلك الرجل الغني، الذي عاش حياة مترفة، في منزلة واحدة؛ لا بد أن ذلك الرجل فعل في حياته شيئاً عظيم الثواب، سوى الاهتمام بتجارته وحياته المترفة؛ لذا، قرر أن يتقرب من ذلك الرجل، لعله يعثر على جواب يريحه.

التقى العابد بالرجل الغني وبدأ يسأله عن حياته الروحية وسلوكه، فأجابه الغني أنه يمارس حياته اليومية العادية مثله مثل بقية أصدقائه الأغنياء، وإذ حاول العابد أن يعرف عنه أكثر أجابه أنه يعطي من ماله نصيباً للفقراء باستمرار، يتصدق ما وسعه ذلك، ويخرج الزكاة بقيمتها، وفي موعدها.

قال العابد في نفسه إنه لا يمكن لمجرد العطاء للفقراء أن يجعل ذلك الرجل الثري يظهر له في رؤياه مع الصالحين؛ فسأله أن يروي له عن بعض أعمال محبته.

تحدث الرجل الثري عن كثير من الأعمال الصالحة التي قام بها، ولكنها لم تكن شيئاً يفسر ظهوره في الرؤيا إلى جوار الصالحين العابدين، ولكن ذات يوم، روى الرجل الثري بعفوية كيف أنه اعتاد أن يلتقي أحد القباطنة، الذي يعرض عليه من حين إلى آخر بعض المجوهرات التي يحضرها إليه من عبر البحار ليشتريها. وفي إحدى المرات التقى القبطان، وسأله إن كان قد أحضر معه شيئاً ثميناً، فقال له القبطان إنه لم يحضر شيئاً سوى 200 عبد يريد أن يبيعهم بعشرة آلاف قطعة ذهبية.

وقال الرجل الثري: إن شيئاً ما كان يلح عليه أنه أفاد كثيراً مما كان يحضره معه القبطان في المرات السابقة من قطع ثمينة ومجوهرات تاجر بها، وعادت عليه بأكبر الأرباح. وأن هذه المرة، لا تختلف عن سابقاتها، وأن حمولة السفينة قد يكون فيها الربح الوفير، والخير الكثير، ولكنه لم يكن يعرف ما هو ذلك الربح، ولا ما هو ذلك الخير، غير أنه قرر شراء الأنفس التي أحضرها القبطان على متن سفينته وتحريرها لوجه الله.

ومع ذلك، دفع المال المطلوب، واشترى الأنفس المائتين. وحينما فعل ذلك، وجد أن نفسه لم تهدأ، وأن قلبه يميل به إلى تحرير تلك الأنفس هبة منه، وحباً في الله.

وهكذا فعل!

وزاد على ذلك، بأن قدم للمستعبدين المساكين كل احتياجاتهم من مسكن ومأكل ومشرب ووفر لهم العمل الذي يكفل لهم حياة كريمة.

وقال الرجل الثري للعابد إن ابنه كان لاحظ بين الذين حررهم فتاة تتسم بالرقة واللطف مع جمال فائق، فطلب أن يستبقيها في ملك إيمانه، أمة له؛ فلم يقبل، وخيره بين أن يتزوجها حرة، أو يتركها وشأنها، فوافق الابن، ثم سأل الفتاة وأخبرها بما جرى بينه وبين ابنه، متمنياً عليها أن تقبل الزواج به، فقبلت.

وفي التو، أقيم حفل عظيم لإعلان خطبه ابن الرجل الثري على الفتاة الحسناء. ويقول الرجل الثري إنه لاحظ في وسط الأفراح والبهجة التي عمت المدينة، أن أحد الشبان المحررين في حزن، فلاطفه وسأله عن سبب حزنه، فلم يجب، وإذ ألح عليه قال له إنه يشكره لأنه حرره مع كل أخوته وزملائه، وأنه قدم له كل احتياجاتهم، لكن أمراً واحداً قد ضايقه قليلاً، وهو زواج ابنه بالفتاة الجميلة، فقد سبق أن اتفقا على الزواج قبل تحريرهما.

صمت الرجل قليلاً، وبمحبة سأل الشاب:

- لماذا لم تخبرني بذلك قبل زواج ابني؟

أجابه الشاب:

- لقد خجلت كما خجلت هي، فإن أفضالك عليّ وعلى زملائي لا تقدر!

عندئذ سأله الرجل:

- الآن ماذا أقدم لك عوض ما أصابك من ضرر؟

أجابه الشاب:

- لست أظن أن ذهباً أو فضة يمكن أن يعوضني عن الفتاة؟

صمت الرجل قليلاً، ثم ذهب إلى ابنه وروي له ما حدث، فأعلن الشاب رغبته في ترك الفتاة فإنه لن يسعد على حساب سعادة غيره.

وكان الابن من الصلاح أنه طلب عدم إيقاف الاحتفالات، وأن تكون بمناسبة زواج الشاب المحرر من فتاته الحسناء.

ما إن سمع العابد القصة حتى قبّل الرجل الثري، وقال له:

- لقد أطعت الله في الانقطاع عن الناس لعبادته، وأنت أطعت الله في الناس، وعبدته بإشاعة الخير والتسامح بينهم!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات