الكتابة على الرمال

التسامح قيمة إنسانية جميلة، تجعل حياة الإنسان مليئة بالمحبة والسعادة، تطهر القلب والروح، وتبعد عنهما الكراهية والحقد والحسد. ولكن برغم ذلك لا نفطن إليها تلقائياً، بل نحتاج في أغلب الوقت إلى محفز خارجي لنكتشفها وننتبه إليها؛ هذا ما اكتشفته قبل نحو شهر، حينما شكى لي ابني ذو العشر سنوات، تصرفاً فظاً من أحد زملائه في المدرسة.

حينها قلت له:

- لا بأس. يجب أن تغفر له.

لم يعجب هذا ابني، الذي احتج بأن زميله يجب أن يلقى معاملة مماثلة في الرد على سلوكه. وهذا بدوره لم يعجبني، فقلت له:

- تحلّ بالتسامح. التسامح قيمة إنسانية جميلة، تجعل حياة الإنسان مليئة بالمحبة والسعادة، وتطهر القلب والروح.

كنت على ثقة أن كلامي مضبوط ومؤثر، ويمكنه أن يقنع طفلي الصغير، إلا أنه سألني:

- ما هو التسامح؟

فوجئت بالسؤال، وتملصت من الإجابة. ولكني بقيت طوال المساء أفكر بالسؤال. كنت أنا نفسي أفهم التسامح، وأحسّه بعمق، ولا أحتاج إلى كلمات لأفهمه. ولكن ها قد وجه إليّ ابني سؤالاً محدداً: «ما هو التسامح؟»، وعليّ أن أجيبه عنه. ولكي أجيبه، يحتاج مني أن أضع أفكاري هذه وأحاسيسي في كلمات واضحة.

في الليل، جلست إلى جوار سرير ابني، الذي كان يستعد للنوم، فقد اعتدت أن أقرأ له كل ليلة حكاية؛ فالتقطت كتاب القصص العالمية، وهممت أن أقرأ له واحدة من الحكايات التي يضمها ذلك الكتاب. إلا أنني ما لبثت أن أعدت الكتاب إلى مكانه، ولبثت صامتاً لحظة.

كنت قد تذكرت حكاية رائعة من التراث.

وفي الأثناء، سألني ابني، بحيرة:

- ألن تقرأ لي حكاية يا أبي؟

قلت:

- لا، لن أقرأ لك حكاية الليلة. ولكني سأروي لك واحدة تذكرتها الآن.

- إذاً، هيا يا أبي..

قلت:

- لقد سألتني اليوم: «ما هو التسامح؟». أظن هذه الحكاية تجيبك عن سؤالك.

وبدأت أروي الحكاية، التي يحب الكثيرون أن يسموها «قصة الصديقين».

كانت الحكاية تقول:

يحكى أنه في يوم من الأيام، كان هناك صديقان تجمعهما صداقة طويلة، تقوم على المحبة والإخلاص والمودة. وقد خرج الصديقان في رحلة طويلة في الصحراء. وخلال الرحلة تجادلا، فاشتد بينهما الجدال، ففقد أولهما أعصابه، وصفع الثاني.

تألم الصديق الثاني، وشعر بالحزن لهذه الفعلة من صديقه. ولكنه لم ينطق بكلمة، وبدلاً من الغضب كتب على الرمال: «اليوم صفعني أعز أصدقائي على وجهي»!

واستمر الصديقان في رحلتهما، حتى عثرا على واحة، فقررا أن يغتسلا في مائها للتخلص من الحر والتعب طوال الطريق. ولكن فجأة، علق الصديق الثاني، الذي تلقى صفعة على وجهه، في بقعة من الرمال المتحركة، وبدأت الرمال تسحبه إلى الأسفل، إلا أن صديقه أسرع إليه، وأمسك يديه في إصرار، مجازفاً بحياته وبسلامته، عازماً على إنقاذه مهما كلف الثمن. وبالفعل تمكن من ذلك.

بعد أن نجا الثاني من الموت المحتوم، قام وكتب على قطعة من الصخر: «اليوم أنقذني أعز أصدقائي من الموت».

تعجب الصديق الأول، وسأل:

- غريب أمرك. حينما صفعتك على وجهك كتبت على الرمال، والآن عندما أنقذتك من الموت كتبت على الصخر؟!

ابتسم الصديق الثاني بهدوء، وقال:

- عندما يؤذينا أحد علينا أن نكتب ما فعله على الرمال، حيث يمكن أن تهب رياح التسامح، فتمحو تلك الكتابة. ولكن عندما يقدم لنا أحدهم معروفاً علينا أن نحفر ذلك على الصخر حتى لا يستطيع شيء محوه أبداً، مهما مرّ الزمان..

انتهت الحكاية.

قال طفلي:

- فهمت. التسامح ليس أن نقبل الظلم والأذى، ولكن ألا نرد الإساءة بإساءة.

قلت:

- أحسنت. التسامح ليس خنوعاً، ولكنه سلوك الأقوياء.

لكن طفلي قال:

- ولكن التسامح، يا أبي، مجرد حكاية. شيء خيالي من عالم الحكايات، ولا يوجد في الواقع. ولو كان يوجد في الواقع، لكنت رويت لي قصة حقيقية.

فوجئت بقوله، وخشيت أنه يعتقد ذلك حقاً، فسارعت أقول له:

- بل هو موجود في الواقع. وربما عليّ أن أروي لك قصص تسامح حقيقية، حصلت في الواقع. قصص أشخاص حقيقيين، كانوا عندما يؤذيهم أحد يكتبون ذلك على الرمال، حيث يمكن أن تهب رياح التسامح، فتمحو تلك الكتابة.

وبالفعل، رحت أروي له كل ليلة قصص تسامح حقيقية، أبطالها أشخاص عاديون وآخرون من المشاهير، إضافة إلى بعض الحكايات التي توضح جوانب قيمة التسامح. وهذه القصص والحكايات سنرويها لكم، واحدة بعد أخرى، لنتأكد جميعاً أن التسامح قيمة إنسانية حقيقية، موجودة في الواقع، وليست شيئاً من عالم الخيال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات