في أجواء الماضي تضع نفسها وتستحضر الزمن، تمارس حرفة الأمس بتبتل وتوحد منقطع النظير، تحضر موادها البسيطة ومعداتها وتفترش (مَدّة) على الأرض فتجلس عليها، وتمد يديها بحذر تلتقط القش وتبدأ حياكة من نوع آخر، حياكة مختلفة. نقترب من زمانها وعالمها وحرفة تجلى فيها الفن كما تجلى الصبر.

السلام عليك يا خالة، هل تسمحين لي بالحديث معك؟

ترفع رأسها خطفاً مرحبة، وعليكم السلام.. هذا سف وأنا أعمل قفة وسرود.

لماذا القفة وذكرينا بالسرود؟

القفة لحفظ الأدوات، كأدوات الخياطة مثلاً والأدوية وبعض المقتنيات والأغراض الشخصية البسيطة لتكون في متناول اليد.

كيف يتم تحضير مواد السف؟

هذه المواد من خوص النخل كما يعلم الجميع، أما كيف تحضر فهي عملية معقدة قليلاً.

حدثينا عنها؟

نقوم باختيار الخوص من النخلة حسب المادة التي سنصنعها، بمعنى لو كنت سأعمل حصيراً مثلاً فإن الخوص الذي سأستخرجه له مختلف عن خوص صنع السرود أو صنع القفة.

ما هو الاختلاف؟

الاختلاف في إننا نأخذ خوص (القلبه) لصنع الحصير، ويعني ذلك الخوص البكر الذي لا يزال ملتصقاً وهو في قلب النخلة، ويكون لونه فاتحاً وليس الخوص الأخضر.

هل يتطلب هذا عمليات معينة أم أن الخوص يكون جاهزاً للسف؟

لا طبعاً ليس جاهزاً ولابد أن يعد لصنع ما نريد. فنحن نقوم باختيار الخوص المناسب لصنع القفة مثلاً وهو يختلف عن خوص الحصير كما ذكرت لك، ولابد أن يكون خوص القفة من الوسط لا من أطراف الخوصة ولا من الداخل.

ثم ماذا؟

ثم يجفف قليلاً في الشمس، وبعد ذلك يوضع في قدر ماء ويرفع على النار حتى يغلي، ونكون قد مزجنا معه الأصباغ المرغوبة، ولكن بالطبع كل على حدة، فلو رغبت باللون الأحمر أضع الأحمر فقط وهكذا.

ومن أين تجلب الأصباغ؟

في السابق كنا نعتمد على مواد متوفرة حتى في المطبخ، فلو رغبت بلون أصفر، فإني أضيف الكركم إلى ماء غلي الخوص وأتركه منقوعاً فيه قليلًا.

وباقي الألوان كيف تحصلين عليها؟

من المواد المتوفرة أيضاً في البيت أو في الطبيعة والحياة، فهناك القرمز أو حتى بعض أنواع الأدوية كالمكركروم وهو أحمر، ولكن هذا لا يعني أننا لا نملك أصباغاً، ولكنها محدودة، وكانت تأتي على شكل كتل وليس بودرة أو معجون، كنا نسحقها أو ننقعها فنستخلص منها اللون الذي نرغب، فتوضع الكمية من الخوص المراد تلوينها في القدر المعني، تغلى ثم تترك حتى يعلق بها اللون.

هل من السهل تعلم عمل السف؟

لا في الواقع ليس من السهولة، وخاصة البداية، فهي صعبة ولا يمكن لأي واحدة عملها لذلك كثيراً ما نقوم بالبدء ثم نعطي الأخريات لاستكمال السف، وهذا أسهل.

هل هناك إقبال على تعلم هذه الحرفة التراثية اليوم؟

للأسف لا أجد قبولًا جدياً، ولكن الجميع تثيره المعرفة ويجلبه الفضول للتعرف، وللعلم أنه حتى لو كان هناك رغبة للتعلم فهذا العمل وإن بدا سهلاً لكنه ليس كذلك، خاصة كما قلت لك البداية لأن لها (غرزة) إن جازت التسمية خاصة، لا تستطيع كل واحدة تعلمها أو إتقانها، ما لم يساعدها أحد على البدء ومن ثم تستكمل هي وهكذا. كنا نفعل ذلك نحن الأكبر فتأتي الفتيات أو حتى السيدات اللاتي لا يمكنهن عمل البداية ويستكملن السف لينتج سروداً أو حصيراً أو (مهفة) مروحة أو قفة وغيرها. لقد اعتدنا على هذا العمل قديماً فارتبطنا به حتى اليوم.