تتفاعل بسعادة وحنين كلما فتح موضوع عن الماضي، لترتحل إلى مرابع الصبا ورفيقات الأمس، مترحمة على من غابن عن الحياة ومستشهدة بأسماء من لا يزال حبل التواصل بينها وبينهن قائما.

تتمتع بذاكرة حية ونشطة، وذكريات متنوعة بمذاقات تقترب من الخرافة والخيال لكنها تؤكد صحتها ومثلها لا يشكك في سردياته.

ربما أنهت أكثر من سبعة عقود، فهي لا تتذكر عدد سنوات عمرها، لكنها تردد.. إذا كان عمر أصغر أولادي يقترب من الخمسين فما هو عمري؟!

نختار من الأمس آلة لتحدثنا عنها أم حميد.

نعرف أن الرحى لطحن الحبوب فمم تصنع؟

هي من حجر وعبارة عن قطعتين متطابقتين.

من أين تجلب؟

هي في الغالب من صخور الجبال الصلبة.

وهل توجد ببساطة هكذا؟

بالطبع لا، وإنما يتم تقطيعها وصقلها لتصبح ذات ملاسة.

ما هي الحبوب التي تطحن بالرحى؟

كنا نطحن القمح والأرز والشعير، والحناء، والياس (الآس) والتوابل.

ولكن ألا تختلط الحبوب ببرادة الحجر جراء الاحتكاك؟

لا يمكن ذلك فالحجر من نوع معين ويتم تنعيمه بعناية، وهو لا ينتج أي غبار أو برادة يمكن أن تختلط بالطحين أيا كان.

هل تتذكرين مكونات الرحى؟

تنهدت قائلة (إيه يا بنتي أعدتني لكار مضى) مضيفة: بالتأكيد وهل هذه أمور تنسى، فالرحى تتكون من حجرين اسطوانيين أو قرصين متطابقين، في الجزء السفلي فتحة فيها مسمار، وفي الجزء العلوي فتحتين جانبية يثبت فيها جزء من جريد النخل كمقبض للتحريك، وفتحة في الوسط لوضع الحبوب فيها وليدخل المسمار السفلي لتثبيتها عند التحريك فلا تنحرف، وتوضع الرحى على سرود أو سفرة من الخوص لتجميع المواد المطحونة.

نفهم من ذلك أن في كل بيت رحى؟

نعم في الغالب ولكن ليس بالضرورة، فبعض البيوت ليس لديهم رحى، ولا يمنع من حضور الجارة بحبوبها تطحنه ثم تذهب.

كيف يمكن التحكم في قوام الطحين إذا أردناه خشنا مثلا أو ناعما؟

قد يتصور البعض أن هذا غير ممكن، ولكن بعملية بسيطة نحصل على القوام المرغوب. فإذا أردنا قواما خشنا وضعنا كمية كبيرة من الحبوب ثم نحرك الأسطوانة بسرعة، وإن أردناه ناعما وضعنا كمية قليلة وحركنا الأسطوانة بهدوء أو ببطء.

وهل يطحن في الرحى نفسها كل شيء؟

لا؛ فللحبوب رحى وللبهارات رحى مختلفة، كما أن بعض الأسر قديما، كالأسرة الفقيرة، أو السيدة العجوز والوحيدة، كانوا يعتمدون على الرحى حيث كانت مصدر دخلهم، إذ يقومون بطحن الحبوب بالأجر. وللعلم فإن كثيرا من المهام والاعمال قديما يقوم بها الرجال والنساء على حد سواء ومنها استخدام الرحى.

هل قمتي بالطحن بالرحى؟

نعم فعلت، فنحن كنا نعتمد على أنفسنا في كل شيء حتى لو لدينا من يساعدنا، فكنت أساعد والدتي في ذلك، علما أن استخدام الرحى يحقق متعة أيضا فهي تشعرني بالقوة واللياقة، وأذكر موقفا حصل ونحن صغارا، طلبنا من خادمة لدينا، وكانت ماشاء الله عليها ضخمة البنية وذات قوة، أن تحمل الرحى للجيران والرحى ثقيلة، ولم تمهلنا أن نخبرها أية رحى فجاءت يدها في رحى البزار، وكان بها بقايا فلفل وبقية التوابل، انسكب عليها الرذاذ وبدأت تعطس وتحك عيونها وتشتمنا، بينما كنا نضحك من (لقافتها).

ماذا تذكرين أيضا مما يتعلق بالماضي والرحى؟

أذكر أننا بعدما نطحن القمح أو الشعير أو الأرز وخلافه، فإن ما يشبه البودرة تبقى أسفل القضيب الذي نمسك به لتحريك حجر الرحى العلوي، وهو مزيج من نشارة الخشب التي هي من جريد النخل وشيء من أي نوع من الحبوب المطحونة، وكنا نأخذ هذه المادة الناتجة من ذلك ونستخدمها دواء لالتهاب الجلد واحمراره، وهو ما نسميه (مذوبح) وغالبا يحدث من التعرق، ويكون في الصغار أسفل الرقبة أو خلف الأذن أو الإبط، وبحمد الله كان يشفي.