يرتبط الإنسان الخليجي بالنخلة قديما وحديثا، وتوجد بينهما علاقة وثيقة، وتبدو كما لو أنها أزلية وأبدية، حيث سخر كل جزء من أجزائها في خدمته، فالإنسان الخليجي والإماراتي تحديداً استطاع أن ينشئ منزله بواسطة جذوع النخلة وسعفها، وصنع من أليافها الحبال والبسط المخصصة للجلوس عليها، ناهيك عن الفوائد الأخرى والمنتجات التي خرجت بها أشجار النخيل.

ونظراً لدخول النخلة تفاصيل الحياة عند الإنسان الإماراتي، بما فيها من مأكل ومأوى أهم حاجتين انسانيتين فقد أصبح الارتباط بها، أعمق من أن تصفه الكلمات، وأكبر من أن يحدها حد، وهناك على أرض الدولة رجال يعشقون النخلة، بل إن بعضهم يرون الحياة من خلال نخيلهم، فهو يوفر لهم مطعما لذيذ.

ومنظرا جميلا، ويتفانون في رعايتها ومنهم: الدكتور خليفة عبيد بن دلموك الكتبي، عضو مجلس بلدية الذيد الذي له قصص ربما لا تنتهي مع النخيل. زرناه في بيته في مدينة الذيد، إحدى أهم المناطق الزراعية في الدولة، وتجولنا وإياه في مزرعته وحديقة منزله اللتين تضمان ما يزيد على 50 نوعاً من النخيل، وتبدو حديقته كما لو أنها غابة خضراء غنّاء، تعكس أبهى معاني الجمال.

قال خليفة بن دلموك في بداية حديثه لنا: رصدت في رحلة عشقي للتمور ما يزيد على 160 نوعاً، ونجحت في إنبات ما يزيد على 50 نوعا منها في حديقة منزلي فقط، ابتداءً من النغال الذي ينمو في فصل الصيف بأنواعه الثلاثة: الخضراوي والعربي والعادي، والتي تختلف فيما بينها في اللون والجودة، وتتفاوت في الطعم.

وهناك الخاطرية التي يرجع موطنها إلى رأس الخيمة والسواحل الشرقية من الدولة.

وأضاف: على الرغم من أنني أمتلك مزرعتي الخاصة، إلا أنني حرصت على أن أزرع مختلف أنواع النخيل في حديقة منزلي، لأنني أحب النظر إلى هذه الشجرة، وأشعر بلذة خاصة في النظر إليها والتعامل معها، كما لو أنها صديقتي التي لا أستغني عنها، وكثيراً ما أجلس أمامها أناجيها مثلما يناجي العاشق عشيقته، وفي كثير من الأحيان أحس بأنها تصغي إلي وتجيبني، وهذا ما يعكس خصوصية العلاقة بيني وبين شجرتي المفضلة.

كما استطعت زرع الفسائل التي لا تتلاءم مع التربة، وعلى رأسها: رطب العجوة الذي لا يمكن زراعته خارج المدينة المنورة، وبفضل من الله نبتت هذه الفصيلة، في حديقة بيتي، وكانت والدتي قد أهدتني بذرة كانت قد أحضرتها من الأراضي المقدسة بعدما أدت مناسك الحج، وهي هدية مقربة مني، وعزيزة على قلبي.

إلى جانب العجوة، ضمت حديقة خليفة بن دلموك ثمارا أخرى أهمها: البرحي والخلاص والجبري وأبو معان والسكري وأشهل السعودية وأشهل دبا والصجعي والمجدول والفرض وهلالي الحساء وهلالي مكران وشاهوني وجش المري وسلطانة ونبوت سيف وشيش وخضراوي وأنوان وبقلة الظاهر وغيرها الكثير من الأنواع.

وقال: أحرص على رعاية النخيل في حديقة منزلي، مثلما يحرص والد على رعاية أطفاله، إلى درجة أنني أشعر بالقلق عليها حينما أغادر الدولة، وأقوم بالاتصال يومياً للتأكد من أنها حصلت على ما تحتاجه من الماء، فالعلاقة بيني وبين النخيل كما أسلفت لك هي علاقة روحية وجدانية.

 

160 نوعاً

وقال خليفة عبيد بن دلموك إنه استطاع رصد 160 نوعاً من الرطب أحصاها بعد البحث الذي أجراه منوهاً إلى أن وزارة البيئة والمياه أحصت فقط 120 نوعاً من الرطب.

وأشار إلى أن بعض هذه الثمار اكتسبت مسمياتها من المناطق التي اشتهرت بها كالمجدول الذي يرجع مسماه إلى منطقة في المغرب.

كما أشار إلى الثورة الزراعية التي شهدتها الإمارات بفضل الجهود الكبيرة التي بذلها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فقد آمن بالزراعة وأولاها كل اهتمامه وكان واحدا من الخبراء العارفين بأنواع النخيل وطرق رعايتها، ولذلك سعى إلى تعميق الاهتمام بها، والعناية بكل ما من شأنه أن يرفع من مكانة النخيل في وجدان الإنسان الإماراتي الذي يرتبط أصلا بهذه الشجرة العظيمة.

وأضاف: إن هذا الاهتمام قد ساهم في أن نتج عنها ما يصل إجمالي أشجار النخيل إلى أكثر من 50 مليون نخلة في الدولة، وتصبح الإمارات من الدول المصدرة للتمور، بعد أن حققت الاكتفاء الذاتي، وهذه قفزة كبيرة، ونقلة نوعية، بعد أن كانت الإمارات قبل من الدول المستوردة، قبل سنوات قليلة.

وأشار إلى أنه قام بالاستعانة بأنواع حديثة من الرطب جيدة الصنف أحضرت فسائلها من السعودية والعراق وعمان وباكستان والمغرب عن طريق الأنسجة، مشيراً إلى محاولات جريئة، قام بها بعض المزارعين لزراعة رطب زغلول التي تشتهر بها مصر الشقيقة، وباءت تلك المحاولة بالفشل، منوهاً إلى أن ثمار الرطب لا تصل بالضرورة إلى مستوى النجاح مهما كانت الظروف مهيأة لذلك.

وضرب خليفة بن دلموك مثالاً على زراعة رطب جش ربيع الذي فشل في زراعته في منطقة الذيد رغم انتشاره في إمارة رأس الخيمة، مؤكداً أن الرطوبة كانت أحد العوامل المساعدة لانتشار هذه الثمرة في المناطق الساحلية لتجد بأن ارتباطها وثيق بالمواقع الجغرافية وتضاريسها المختلفة.

كما أشار بن دلموك إلى إحدى المناطق القريبة من باكستان يمكن زراعة النخل فيها لتقارب أجوائها المناخية من الخليج.

حواجز الزراعة

اختلاف المناخ، وملوحة التربة لهما تأثير قوي على عملية الإنتاج الزراعي، ويؤكد خليفة بن دلموك أن أمراض النخيل تعد من أشد الأمور إزعاجا لأي مزارع، فهي تؤرقه، وتؤثر على عمله.

وأهم المخاطر التي تجتاح أشجار النخيل هي: السوسة وحفار النخيل ومن المؤسف أن معظم المزارعين لا يعرفون وسائل المكافحة المناسبة، ويتخذون على الأرجح تدابير منقوصة.

وطالب بتوفير فريق كامل لمكافحة سوسة النخيل وتوفير الأسمدة اللازمة للزراعة بأسعار معقولة.

كما أقترح تأسيس مراكز تسوق خاصة بالتمور في منطقة الذيد والمناطق المجاورة لها لتشجيع الكوادر الوطنية التجارية على بيع التمور ذات الأصناف الجيدة.

 

وقت الرطب

يتحكم الوقت في أسعار الرطب، ومن المعروف أنه ينمو في بعض الدول في مواعيد تختلف عن بعضها الآخر.وتأتي سلطنة عمان، على رأس الدول، التي تحصد الرطب قبل الإمارات، وبالتالي تسبق في توقيت البيع .وينضج الرطب في عمان مبكرا بسبب المناخ والتربة التي تتمتع بها المناطق المنتجة في السلطنة.

ويجدها البعض فرصة للدخول في مسارات السمسرة والتجارة بالرطب، وبيعها بأسعار مرتفعة. كما تطرق بن دملوك إلى العلاقة التي تربط رمضان بثمرة الرطب، ووصفها بأن رمضان هو الذي دخل في موسم الرطب وليس العكس، مشيراً بأننا سنفتقد هذه الثمرة بعد مرور عشر سنوات في الشهر الكريم.

واقترح خليفة بن دلموك الكتبي طريقة أخرى اتبعها بعض الإماراتيين وهي زراعة شجرة النخيل وجني ثمارها خارج الدولة، وعلى سبيل المثال، دولة زامبيا التي تقع غرب أفريقيا الجنوبية، والتي تتميز بمناخها المشابه للدولة وعلى نقيض توقيت دولة الإمارات واختلافه كلياً، مشيراً إلى أن بعض سكان الإمارات استطاعوا تجربة هذه الخطة، والخروج بنتائج حقيقية.

 

 

 

سماد النخل

 

 

هناك خطوات يجب أن يقوم بها المزارع ليحصد ثماراً طيبة وقوية. ويؤكد خليفة بن دلموك أنه بعد عملية قطع الثمار على المزارع أن يلجأ إلى وضع السماد على النخلة كمرحلة أولى في شهري سبتمبر وأكتوبر لتنتج ثمرة قوية، ثم تدخل المرحلة الثانية في شهر فبراير بشرط ألا تتخطى شهر أبريل، أما المرحلة الثالثة فهي تختص بالمزارعين أو التجار الذين يتنافسون بينهم.

ويضع المزارع السماد في هذه المرحلة للنخلة بمزج المواد والأسمدة الكيماوية في هذه المرحلة لتنتج ثمرة كبيرة الحجم مؤكداً بأنه لا ينصح باتباع هذه الخطوات لكثرة المواد الكيماوية في السماد، لافتاً إلى أن هذه المرحلة في حاجة إلى كمية كبيرة من المياه للروي.

 

 

زراعة الرطب

 

لم يخل حديث خليفة بن دلموك من الذكريات، فخلال ثنايا الحوار طاف بذاكرته، ورجع إلى سنين بعيدة، مستذكرا كيف كيف يزرع الرطب، لذلك امتزج هذا الجزء من الحوار بالكثير من الحنين إلى الماضي بكل تفاصيله الممتعة، واسترجع خليفة ذكريات زراعة الرطب في الإمارات، والمناطق التي تجود فيها زراعته، مؤكداً أن إمارة رأس الخيمة هي المنطقة الأولى في زراعته قبل قيام الاتحاد.

ولذلك تعتبر الإمارة صاحبة قصب السبق في هذا المضمار من الناحية التاريخية، وأما في الوقت الراهن، فقد أحرزت منطقة الذيد المركز الثاني في زراعته على مستوى الدولة، في حين تقدمت مدينة العين وضواحيها إلى المركز الأول زراعياً في الرطب والفواكه الأخرى بفضل من الله، ثم بفضل جهود ودعم ورعاية واهتمام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله تعالى.