رفض الاستسلام للعجز الذي أصابه بسبب حادث سير في عام 1995 ومنذ تلك اللحظة استطاع أن يتأقلم مع وضعه الصحي بنجاح، وأن يبرهن لنفسه أولا ولعائلته بالدرجة الثانية أنه قادر على العطاء والاستمتاع بالحياة. التقينا المهندس مالك الكندي على رصيف محطة مترو الاتحاد حيث كان متوجها على كرسيه الكهربائي إلى سوق دبي القديم.
قال الكندي: أنا أب لخمس بنات وولد يدرس حاليا في ألمانيا، وقد وجهت أربعا من بناتي إلى التخصص في مجال التمريض لحبي الكبير لهذه المهنة ذات الرسالة الإنسانية السامية والنبيلة، وعندما أصبت بالشلل نتيجة حادث سير في عام 1995 وجدت من يعتني بي ويحيطني بالمحبة والاهتمام طيلة الوقت.
واستطرد قائلا: نعست ابنتي أثناء قيادتها لسيارة باتجاه أبوظبي وقد أدى هذا إلى فقدانها السيطرة على المركبة وانحرافها عن الطريق وانقلابها فيما بعد، وأحمد الله أنني كنت المصاب الوحيد في ذلك اليوم، حيث كسر عمودي الفقري وتلته مشكلات صحية عديدة منعتني من الصوم وكان أبرزها عدم القدرة على التعرق والإمساك بالأشياء.
وأضاف الكندي: إصابتي بالشلل كانت صدمة لعائلتي عموما ولابنتي التي كانت تقود السيارة على وجه الخصوص، وقد بذلت مجهودها كبيرا حتى أخرجها من الحالة النفسية السيئة التي كانت تعيشها، لأن ليس لها ذنب بما حدث والمسألة برمتها قضاء وقدر مكتوب لي.
تكفلت الشركة التي كان الكندي يعمل فيها بمصاريف علاجه، حيث قامت بإرساله إلى لندن أربعة أشهر ونصف، وقال الكندي: تحملت الشركة مصاريف علاجي التي وصلت إلى 58 ألف درهم، كما وفرت لي كرسيا كهربائيا خدمني لعشر سنوات ثم قمت بعدها بشراء واحد على حسابي الخاص.
هيهات على الذكريات
لم يلعب الكندي دور المعاق المحبط بعد الحادث وتمكن من الخروج بسرعة من رداء الحزن، وقال: لم أصم منذ 16 عاما بسبب الشلل الذي أجبرني على تناول أدوية متنوعة خلال النهار وشرب الماء طوال الوقت، وهذا أشعل في داخلي أحزانا كثيرة لأنني كلما تذكرت طفولتي بين أشقائي الأربعة عشر ووالدي، حيث كنا نجلس حول مائدة واحدة ونفطر سويا ثم نذهب إلى الشاطئ للعب كرة القدم مع أطفال «الفريج» تارة والسباحة في أحضان المياه الدافئة وتأمل النجوم التي تنير السماء تارة أخرى، ومن ثم العودة إلى الفراش والاستيقاظ عند وقت السحور، فكلما تذكرت ذلك أقول لنفسي هيهات أن تعود تلك الذكريات والأيام، ولكن مع هذا كله أنا راض بقدري.
وقد استطعت التغلب على كل سيناريوهات الحزن التي يعيشها المعاقون عادة، فأنا لم أعد أحزن عندما أرى بناتي وزوجتي متحلقات حول مائدة طعام الإفطار بينما أنا على كرسي وأستطيع أن أشاركهن بما لذّ وطاب، بل أبتسم وأشاركهن تناول «الثريد واللقيمات»، وأطلب منهن لاحقا تجهيز حقيبة الرحلات الخاصة بي التي يضعن بها مضخة للهواء «منفاخا» وعجلة احتياطية حتى يتمكن الناس من مساعدتي في حال تعطل الكرسي، وبعد ذلك أذهب بمفردي إلى سوق دبي القديم كما كنت أفعل بالسابق، حيث أستخدم حافلة المواصلات العامة حتى أصل إلى محطة مترو ابن بطوطة ومنها إلى محطة مترو الاتحاد القريبة من السوق الذي أجد فيه راحتي النفسية ويساعدني على استرجاع ذكريات رمضانية عزيزة على قلبي.
وعن مدى رضاه عن خدمات المواصلات العامة ومترو دبي.
قال الكندي: بالنسبة للتصميم الداخلي للمحطات والجوانب المعمارية، فقد تم وضع حزمة متكاملة من التسهيلات تلبي مختلف أنواع الإعاقة، بدءا من المحطة وصولاً إلى حافلات المترو، وتشمل هذه التسهيلات استخدام أجهزة سمعية ومرئية للتوجيه والإعلام، كما أن حافلات المواصلات العامة مجهزة بشكل جيد لاستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة.
ولا يجرؤ الكندي على الخروج من البيت قبل الإفطار، فيقول: حرمني الشلل أيضا من التعرق الذي يعمل على تبريد الجسم، ولهذا السبب أتجنب الخروج قبل الإفطار على الرغم من حبي الكبير لرؤية مياه الخور نهارا، وأذكر أنني غامرت ذات مرة بالخروج من المنزل نهارا ولكنني اضطررت لأن أدفع الكرسي بسرعة في الشارع حتى أصل إلى أي مكان مكيف، عندما أتذكر ذلك اليوم أضحك كثيرا على نفسي.
أفكار ومواقف
وبالرغم من عدم قدرة الكندي على الصيام، فإنه ابتكر عددا من الوسائل التي ساعدته على الاستمتاع بالشهر الفضيل واسترجاع ذكريات رمضانية قديمة، وقال: لم أكن «بيتوتيا» خلال فترة شبابي وخاصة في رمضان، كما أن علاقتي بالخور وأسواق دبي ومعالمها التراثية القديمة كانت متينة للغاية.
حيث كنت أزورها يوميا بعد صلاة التراويح لأن هيبتها تشعرني بحلاوة الشهر الكريم، ولكن بعد الحادث تغيرت بعض الأمور البسيطة التي تعني لي الكثير ومنها: خروجي من المنزل مرتديا القميص الأبيض والإزار وذلك لسهولة لبسهما وخلعهما بالنسبة إلى زوجتي وبناتي اللواتي يتولين تلك المهمة، وعدم قدرتي على الإمساك بالهاتف الجوّال والرد على المكالمات، وحينها فكرت بمساعدة نفسي بنفسي وذهبت إلى أحد الخياطين وطلبت منه تفصيل أثواب لها سحابات من الخلف، كما قمت بإلصاق هاتف محمول على يدي المغطاة بالجبصين وشراء جهاز تحديد المواقع يعمل باللمس قمت بتثبيته على الكرسي.
ومن المواقف الطريفة التي لا تزال عالقة في ذاكرة الكندي هو إقبال البعض على إعطائه الصدقات أثناء تواجده في سوق الذهب.
وقال: كنت أثير دهشة راكبي حافلات المواصلات العامة ومرتادي منطقة البستكية وسوق دبي القديم الذين كانوا لا يتوانون عن مساعدتي ولا يتوقعون أنني ابن هذه الدولة بسبب ارتدائي للقميص الإزار، وأذكر أن أحد المارة أعطاني بعض الدراهم لاعتقاده بأنني متسول، وهذا جعلني أنخرط في موجة ضحك طويلة يومها.
صور
علاقة خاصة
يزداد إعجاب المهندس مالك الكندي بدبي وتعلقه الشديد بها يوما بعد يوم، ولعل السبب في ذلك يعود إلى التغير المدهش الذي شهدته الإمارة، وهو التغير الذي لم تشهده سوى القليل من مدن العالم، حيث باتت دبي إحدى أسرع وأهم مدن العالم نموا، ولتصبح القلب النابض للنهضة الاقتصادية التي تشهدها الدولة، كما تحولت من مدينة ساحلية لصيادي الأسماك إلى مركز لصيد وتجارة اللؤلؤ، ومن ثم إلى مرفئ تجاري مزدهر، لتصبح اليوم البوابة الرئيسية للتجارة البينية والجسر الاقتصادي الأهم بين الشرق والغرب.
ويرتبط الكندي بأسواق دبي التقليدية بشكل كبير، ليس لأنها تساعده على الترفيه عن نفسه، بل لكونها تنتشر على ضفتي الخور اللتين دأبتا على استقبال سفن البوم الشراعية المحملة بشتى السلع ونفائس الشرق المستوردة من دول الشرق الأقصى وشبه القارة الهندية وسريلانكا، حيث يشعر وهو يتجول بين محلات سوق دبي القديم على كرسيه المتحرك بنفحات من عبق التاريخ بما يفوح منها من روائح البخور والتوابل والعطور التي تجدد أنفاسه وتمنحه المزيد من الصبر والتحمل.
مواصلات
خدمات ميسرة
روعي في تنفيذ مشروع مترو دبي الذي يعد من أكبر المشاريع التي نفذتها هيئة طرق ومواصلات دبي، تلبية متطلبات شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يتضمن المترو عشر خدمات رئيسية مثل المصاعد والسلالم المتحركة وأجهزة الدفع الآلي وبوابات عربات القطار، إضافة إلى تخصيص أماكن للمقاعد المتحركة مزودة بأحزمة الأمان، تتيح لمستخدميها سهولة الحركة بشكل آمن في جميع العربات، كما توجد علامات واضحة دالة على خارطة المسار، فضلا عن تجهيزات السلامة بما في ذلك دائرة تلفزيونية مغلقة تعم جميع العربات على نحو يضمن رحلة آمنة ومريحة للجميع بل ومسلية.
ويذكر الكندي أنه وبعد وصوله ذات مرة إلى رصيف محطة الاتحاد وجد المصعد معطلا، ولكن لم يشكل تعطله أي مشكلة على الإطلاق بسبب وجود أحد أفراد شرطة دبي على الرصيف، ورجل أمن آخر يعمل في المحطة، وقد عملا على تشغيله بسرعة من خلال غرفة التحكم.


