أسهم في الحفاظ على التراث الثقافي والإنساني في منطقة حتا، وقدم نماذج منها في أكثر من موقع، ثم انشأ موقعا الكترونيا يعد بمثابة مخزون كبير من عادات وتقاليد المنطقة، واستمر في جهوده هذه حتى اليوم، بل ما زال يطمح إلى أن يقدم الكثير في هذا المجال، باعتبار ان تراث منطقة حتا ما زال حافلا بالكثير من الفنون الشعبية والعادات والتقاليد التي ينفرد بها أبناء المنطقة.
وهو التراث الذي يشعر بغيرة عليه، وبلهفة على إنعاشه ونشره بأكبر قدر ممكن، وأما التقاليد المتوارثة فهو يشعر بأنها ملك لأبناء الإمارات جميعا وملك للوطن كله، وفي زيارتنا لمنطقة حتا التقينا ببخيت محمد أحمد المقبالي رئيس مجلس إدارة جمعية حتا للثقافة والفنون والتراث، والرجل الذي حمل هم الحفاظ على التراث والفنون منذ تسعينات القرن الماضي، وأقام مختلف الأنشطة والفعاليات في كل ربوع الإمارات.
مرحلة التأسيس
حدثنا في البداية عن مرحلة التأسيس؟
دور الجمعية منذ تأسيسها وحتى اليوم يقوم على حفظ التراث الإنساني الذي يمثل تاريخ المنطقة وفنونها وتقاليد وعادات أبنائها التي ما زالت راسخة حتى اليوم، وبما أن هذا التاريخ أصبح تراثا تتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل، فقد لزم علينا أن يتم تنظيم ممارسته وتهيئة المناخ الملائم لنموه وانطلاقته.
لذلك جاء تأسيس الجمعية في أواسط التسعينيات من القرن الماضي أولا في شكل فرق شعبية للرقصات والفنون التراثية ومجالس الشعر، ثم جاءت المرحلة التالية في التأسيس والإشهار لتنطلق بعد ذلك في إرساء وغرس مفاهيم التراث والفنون والموروث الشعبي التي تعتبر حتا من أغنى المناطق في الإمارة التي يوجد فيها الكثير من الموروثات الشعبية والتي مازالت قائمة حتى اليوم.
وتأسيسا على ما تقدم في شأن النشأة والأهداف تتشكل شخصية الجمعية من مظلة وواحة للإبداع والثقافة الإماراتية الخليجية العربية والإسلامية.
نشر التراث
ما هي الأنشطة التي تم انجازها في السنوات الماضية؟
استطاعت الجمعية أن تنفذ الكثير من الفعاليات والأنشطة الناجحة منذ تأسيسها وحتى اليوم، وأنجزت أيضاً الأهداف التي أقيمت من أجلها ومنها نشر الوعي التراثي في المنطقة والضواحي المحيطة بها، وربط الأجيال ببعضها من خلال الحفاظ على العادات والتقاليد وإحياء الفنون الشعبية والتراثية، وتنشيطها على مستوى منطقة حتا من خلال لجان شكلت لهذا الغرض، وتنتظم حركتنا العملية كخلية نحل متكاملة لتحقيق أهدافها السامية.
ويمكن القول إن ملامح هذه الشخصية الحيوية لجمعيتنا تتبدى من خلال أعمالنا وليس من خلال مجرد الكلام، فقد أصبحت الجمعية اليوم كياناً قائماً بمؤسسته المنظمة والتي تمثل معلما تراثيا ليس فقط على مستوى حتا وإنما على مستوى إمارة دبي، وأقولها بصراحة إننا نسير على نهج مدروس بخطوات متزنة نحو اعمار الحياة والارتقاء بالتذوق الثقافي منطلقين من أرض التراث الصلبة ومستفيدين من تجارب الآخرين.
تقاليد اندثرت
ما هي التقاليد القديمة التي كان لها حضور مؤثر؟
من الأشياء التي لا تنسى وتظل راسخة في حياتنا، تلك العادات الأصيلة والجميلة والتي ما زالت تمارس في وسط المجتمع الحتاوي مثل (الزهبة) والتي تعني تجهيز العروس من ثياب وذهب وعطور وغيرها من الأشياء التي تخصها. وجرت العادة هنا أن تمر هذه الزهبة على جميع النساء المتواجدات في حفل الزواج، وكذلك (الدينار) .
وهي من العادات القديمة والتي للأسف - اندثرت منذ عهد قريب، وهي تعني ان الشخص الذي يعمل لدى أهل العروس وعادة ما يكون من الخدم ، يقف أمام باب البيت ولا يسمح للعريس بأخذ زوجته من بيت أبيها إلا إذا دفع له جزءا من المال أو هدية رمزية، ولذلك أطلق عليه (الدينار).
ومن العادات الأصيلة والتي اندثرت من أوساط المجتمع الحتاوي أيضا، العادة التي تمارس عندما توجه دعوات لحضور العرس البدوي، وعند قدوم المدعوين وعادة ما يكونون من الشخصيات الاجتماعية في المنطقة، فيقوم هؤلاء بإطلاق ثلاث رصاصات في الهواء من على بعد إيذانا بقربهم من مكان العرس، فيرد أهل العريس بثلاث طلقات أخرى ترحيبا بقدومهم، وكثيرة هي العادات والتقاليد التي علينا أن نرصدها ونوثقها وهذا أيضا ما نقوم به حاليا. فمجتمعنا غني بهذه الموروثات التي تحدثنا عن طبيعة حياة آبائنا وأجدانا، وعن تفاصيلهم اليومية.
زواج تراثي
كيف كانت عادات الزواج في المنطقة وهل ما زالت حتى اليوم؟
في احتفالات الأعراس التي تتم في مختلف مدن وقرى الدولة، تبدأ فرقة العيالة في أداء فنونها مع بدء الاحتفال بمراسم الزواج، وتستمر الأفراح أسبوعا قبل الزفاف او ثلاثة أيام عند البعض. وفي صباح يوم الزفاف الذي عادة ما يكون يوم خميس، تجتمع بعض نساء القرية في بيت أهل المعرس لمساعدتهم في إعداد الإفطار للضيوف مثل الهريس والخبيص والبلاليط والقهوة والشاي.
ويتوافد الرجال والنساء من جميع أنحاء القرية إلى منزل أهل المعرس للسلام والتهنئة، ويقدم لهم الإفطار والقهوة، ويقوم بعد ذلك أهل المعرس بذبح الأغنام والجمال، وتحضر قدور واسعة تترك على النار لطهي اللحم والأرز للضيوف المدعوين حيث يتناولون الغداء والعشاء. وفي خيام الغداء غالبا ما يكون الحضور من أهل القرية والأقرباء، وأنا شخصيا أقمت زواجي وفق التقاليد التراثية، فالطبخ كان في خيمة بالقرب من البيت، وساقي القهوة أقمت له بيتا من العريش.
وفي العصر أحيت فرقة الحربية رقصاتها الشعبية، وكل طقوس الزواج حرصت أن يكون تراثيا، فكيف أكون مهتما بتراث المنطقة وعادات وتقاليد أبنائها ولا أطبق هذه الطقوس في حياتي الشخصية، لذلك أحرص جيدا على أن يكون أبنائي متأثرين جدا بتراثهم العربي الأصيل وبتقاليد المجتمع الإماراتي.
الحياة قديما
ما هي الذكريات التي ما زالت عالقة في الذهن؟
هي تلك الأيام الخوالي عندما كنت فيها طفلا صغيرا، جالسا مع مجموعة من السيدات كبيرات السن وهن يقمن بإعداد خبز الرقاق المخلوط بالبيض أو الجبن أو السمن، بينما سيدة أخرى تنسج خيوط التلي بصبر وأناة، كانت هذه المناظر تشكل الحياة اليومية لمجتمع الإمارات، بينما الأطفال الصغار يلعبون في الأحياء ألعابهم الشعبية مثل لعبة (شرطة وحرامي).
وكان حديث الأمهات في تلك الأيام أنيسا لطيفا فهن يروين ذكريات الماضي بعذوبة بالغة. كان ذلك قبل سنين طويلة، عندما كانت المرأة في الماضي مكتفية بنفسها تلبي حاجات بيتها وعائلتها، فكانت تجلب الحطب وترعى الحلال وتطحن الحب وتخبز وتطبخ وتخيط ملابسها وملابس زوجها وأبنائها.
ولم تكن متكلفة في طلباتها بل يكفيها ثوب أو اثنان، فقد كانت الحياة بسيطة والقناعة متوفرة عند الناس، وما زالوا أمهات اليوم يتحدثن عن سيرة جداتهن بكل فخر وسرور، إذن مجتمع حتا ما زال محافظا على عاداته وتقاليده الأصيلة والقديمة.
طقوس رمضان
حدثنا عن ذكرياتك في شهر رمضان وهل مارست فيها تقاليد خاصة؟
يتميز شهر رمضان المبارك في الإمارات بعادات وتقاليد المسلمين الوافدين الذين يضفون على الشهر الكريم نكهة بلدانهم، الأمر الذي يجعل من شهر الصوم في هذا البلد لوحة جميلة تحوي مشاهد رمضانية لمختلف الدول والأقليات الإسلامية، وبالنسبة للمجتمع الإماراتي يستقبل الناس الشهر بالزيارات العائلية بين الأهل والأقارب، فيزداد التفاعل والتواصل الاجتماعي بين الناس، وتقل الخلافات، وتكثر المودة والتراحم، كما يستقبلونه بشراء كافة اللوازم التي تصاحبها فرحة الأطفال بهذا الضيف الجديد والذين يظهرون فرحتهم في ساحات اللعب ضمن الأحياء، إضافة لوجود حركة في الأسواق والمحلات التجارية.
ويعرف عن المجتمع الإماراتي أنه لازال يحافظ على الكثير من الطقوس الرمضانية والتي اكتسبها عن طريق الأجداد، إضافة إلى ذلك تقام خيم خاصة للإفطار الجماعي، وفيما يتعلّق بالأكلات الرمضانية التي تشتهر بها المائدة الإماراتية، فإن الهريس يأتي في مقدمتها، كما تشتهر المائدة الإماراتية بالثريد والسمبوسة والأرز باللحم أو بالدجاج وأيضا السمك الذي لا يخلو بيت منه.
لكن من أبرز عادات أبناء منطقة حتا أنهم يفطرون خارج بيوتهم تبركا بالضيوف والقادمين من خارج البيت أو من خارج المنطقة، وما زالت عاداتنا قائمة حتى اليوم حيث يجتمع جميع أفراد العائلة في بيت الوالد للإفطار بشكل جماعي وهناك من يقيم خيما خاصة له ولأفراد أسرته وهذه التقاليد والطقوس ما زالت قائمة حتى اليوم.
قصة حب مع الشعر
بخيت محمد احمد المقبالي متزوج ولديه أربعة أبناء خالد وموزة وريم وعلي، اهتم بالشعر وأحب التراث وعمره تسع سنوات، وكتب الكثير من القصائد الشعبية والشلات، إلى جانب تأسيسه جمعية حتا للثقافة والفنون والتراث، كما تعلم من أبيه مهنة الزراعة وغرس فيه وفي إخوانه معنى التمسك بالأرض والحفاظ عليها، ففي نظر الأب الأرض هي التي تنبت الزرع وتحمي الإنسان من الفقر والحاجة.
كما كان يقول له ولاشقائه، ولذلك فهو اليوم يتمسك بالأرض، ويحاول ان ينقل ما غرسه فيه والده إلى أبنائه الصغار، ويغرس فيهم معنى التمسك بالأرض، ويقول بخيت ان كل ما كان يؤكل في البيت، من فواكه وخضار ومن القمح والذرة هو من مزروعات الأرض التي يملكونها منذ سنين طويلة.
قرية متكاملة تحكي قصة تاريخ حتا
منطقة حتا تحظى بأمجاد الماضي وتاريخ ممتد عبر مئات السنين، غير ان الكثير من الملامح اختفت لأسباب عدة، ولكي نعيد الصورة التي كانت عليها منطقة حتا في ذلك الزمن البعيد، فقد شيدت قرية متكاملة على غرار كل القرى القديمة في منطقة ساحل عمان الجبلي، استخدم فيها لإعادة أشكال البيوت القديمة، الطين والأحجار الجبلية للجدران، وجذوع النخيل والدعن والطين للأسقف، وهناك معالم ما زالت ظاهرة للعيان تحكي جزءا من تاريخ المنطقة، كحديقة التلة التي كانت في الماضي جبلا يتوسط المنطقة،
ويعتمد جمال هذه الحديقة على تصميم السلالم الدائرية التي توصل الزوار إلى قمة الجبل، حيث بنيت في الأعلى قلعة تماثل قلاع المنطقة القديمة، وتتوفر في أنحاء الحديقة وارتفاعاتها المختلفة أماكن مسقوفة هي استراحات للزوار.

