تقودنا الأقدار أحياناً إلى ما يتناقض مع رغباتنا وميولنا، وتبحر بنا عكس أمنياتنا، ولكن لا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي، بل علينا أن نشمر عن سواعد الجد والاجتهاد حتى نضبط دفة طموحنا.

ضيفتنا قادت سفينة طموحها بعدما غيرت الرياح مسارها فوصلت بعزمها إلى تجربة جديدة لم تكن في بالها، لتكشف في زيارة البيان لها عن أسرار نجاحها، والظروف التي دفعت بها إلى علاج وتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة.

انها مريم عثمان، مديرة مركز علاج ورعاية الطفولة فتقول: خضت تجربة أثبت فيها جدارتي، وأطلقت ما في داخلي أملاً في تحقيق مساعي المهنية والإنسانية، فبعد أن فارقت مدرسة السيف كرست جهدي لتأسيس مركز مختص يساهم في علاج الأطفال المعاقين.

وتطرقت للحديث عن طفولتها فقالت: كانت طفولتي عادية وعفوية، تميزت بانطوائي وخجلي، ولم أكن شقية ربما لانعدام الثقة في نفسي، ولكن في الصف السادس انطلقت انطلاقة قوية، وتغيرت ملامح شخصيتي بشكل جذري، حيث أصبحت أكثر جرأة واندفاعاً، ولازمتني الرغبة في التغير، لكن الخجل كان يحاصرني، ويرجع الفضل في انطلاقتي إلى صديقاتي في المدرسة لأنهن كن شقيات ومرحات، ولحسن حظي أني وضعت في فصل يضم مجموعة من الفتيات الجريئات، ويتجلى ذلك مثلاً بقيامهن في المدرسة بتقليد أدوار بعض الممثلات في المسلسلات،

وأذكر أنني في طفولتي كنت أخاف جداً من إدارة المدرسة المتمثلة في الأخصائية والمديرة، واليوم أصبحن أعز صديقاتي، ومنهن عائشة مقراف، هي اليوم جارتي، وأنيسة النجار أيضا جارتي، وشهلاء خوري هي، أخت زوجي، ورجاء القرق كانت مديرتي في المدرسة، وأتذكر أننا عندما كنا نسمع اسمها يصيبنا الخوف والفزع بسب قوة شخصيتها وشدتها في التعامل، وأنا معجبة جداً بشخصيتها، وأتعامل معها اليوم كصديقة وأعتبرها قدوة لي.

مشوار الدراسة

تقول عن مشوارها الدراسي: علاقتي بالدراسة بدأت مبكراً، حيث حرص والدي على تعليمنا قبل دخلونا الابتدائية، فألحقنا في البداية بمدارس تحفيظ القرآن، وكان دائماً يجلب المدرسات لتعليمنا في البيت، ومن أهم الأشياء التي يركز والدي أن نتعلمها اللغة الإنجليزية. وكانت الدراسة مستمرة حتى في الصيف إذا لم نسافر، وألحقنا أيضاً بالمدارس الخاصة ومنها مدرسة (فاركي) ومدرسة الأهلي.

بعد أن أنهيت الدراسة الثانوية التحقت بجامعة الإمارات، وتخصصت في علم النفس، وقضيت أجمل أيام حياتي في الجامعة فلم تخل حياتي من الشقاوة والمشاكسات وحب التحدي، مارست الكثير من الأنشطة في الجامعة، ويمكنني القول بأنني عشت حياتي الجامعية بكل تفاصيلها، واستغليت كل يوم فيها، ولن أقول كما يقول آخرون أني أتمنى أن ترجع تلك الأيام لكي أعيشها مرة أخرى، لأني عشت كل لحظة فيها واستمتعت بكل دقيقة قضيتها، وتخرجت في الجامعة بامتياز، وظن الكثير من زميلاتي والأكاديميين أني سأصبح عضو هيئة تدريس في الجامعة، وسأعمل للحصول على الماجستير، إلا أن رغبة إكمال الدراسة لم تكن موجودة أثناء تخرجي، لكن اليوم أفكر فيها، وعدم إكمال دراستي هو ضريبة زواجي، حيث تزوجت بعد تخرجي في الجامعة مباشرة.

مفاهيم خاطئة

يحمل بعض الناس مفاهيم خاطئة مفادها أن الذي يدرس علم النفس يلحقه بعض الجنون! ويسألونني.. ما الذي شجعك على دراسته، والعمل في هذا التخصص؟

وأقول: التعامل مع الناس هو الذي شجعني على العمل في هذا المجال، فالتخصص سهل لي التعامل معهم، كما سهل لي عملي اليوم كمديرة، حيث أصبحت أقرأ الموظفين والأشخاص في العمل، وأقدم لهم الفرص، وأختبرهم قبل أن أحكم على شخصياتهم، أما على المستوى الشخصي فأثر التخصص في حياتي وسهل لي التعامل مع زوجي وتربية بناتي، والذين تربطني بهم علاقة جميلة تجاوزت طابع الرسمية، فالعلاقة التي تجمعني بهن ليست علاقة أم ببناتها، بل علاقة صداقة، لذلك فإن خروجي إلى التسوق والسفر لا يحلو إلا بصحبتهن، وأستمتع كثيراً بجلساتي معهن وخاصة عند مشاهدة التلفزيون.

باب الفضول

وتضيف: كان جزء من دراسة علم النفس عن الإعاقة والتخلف العقلي والذكاء، ولكني لم أفكر في العمل مع المعاقين، وعلى الرغم من زياراتنا الميدانية لمختلف المؤسسات التي كانت تهتم بالمعاقين إلا أنني لم أفكر يوماً أن أعمل في مجال رعاية المعاقين، وعندما بدأت مشوار البحث عن وظيفة، قدمت سيرتي الذاتية في مؤسسات مختلفة، وتم طلبي من قبل دائرة الصحة لإجراء المقابلة الوظيفة.

وفي الوقت نفسه التقيت بشخصية وهي التي وجهتني إلى العمل مع المعاقين، حيث قال لي (يجب أن تعملي في مجال المعاقين) وقال بأن لديهم في هذا المكان مدرسة السيف التابعة لحكومة دبي، والتي أنشأها المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم.

وكانت مديرة المدرسة في ذلك الوقت حرم القنصل البريطاني وهي أخصائية علاج طبيعي، وكان الأطفال الموجودون في هذا المركز من مختلف الجنسيات، والشخص الذي قابلته اتضح فيما بعد أنه عضو في مجلس إدارة المدرسة، فقال لي نحن نبحث عن امرأة مواطنة للعمل معنا لأن جميع العاملين في هذه المدرسة أجانب.

وتقول مريم: ذهبت من باب الفضول والاطلاع على آلية العمل والتعامل مع المعاقين، وعندما ذهبت انبهرت من الطريقة التي يعامل بها المعاقون كانت قمة في الرقى والاهتمام والإخلاص في العمل، وبعد ذلك التقيت بنفس الشخص وسألني عن انطباعي عن المدرسة، فنقلت له انطباعي الرائع بالمعاقين ولكن لا أستطيع العمل فيها، وحينما سمع ردي أخذ يوجهني ويشجعني على العمل في المدرسة.

وأذكر قوله لي (هنا سوف تستطيعين أن تقدمي أفضل من زميلاتك، فاذهبي وابدئي العمل لأننا بحاجة إلى مواطنة تعمل معنا، جربي العمل لفترة وجيزة، وبعد ذلك قرري و لا تتسرعي) فوافقت بشرط أن لا يكون لي مسمى وظيفي، عملت في المدرسة وتدرجت في الوظيفة ومع مرور الوقت حصلت على منصب مديرة المدرسة، وذلك لأني أحببت العمل وتأقلمت معه ومنذ فترة التجريب لكني استمريت في المدرسة ست سنوات. 

فكرة المركز

أما عن فكرة تأسيس مركز راشد فتقول: لقد ساهمت كلمات التشجيع والتحفيز من الأسرة والأصدقاء على غرس العزيمة في نفسي، والإقدام على تأسيس مركز مختص لعلاج المعاقين، حيث كنت على اتصال دائم مع من تركوا الوظيفة سابقا، ووجهتنا الإرادة نحو تأسيس مركز راشد للرعاية الخاصة حيث الحاجة لبناء مركز مختص يضم كوادر ذات كفاءة عالية.

وعليه فقد شمرت عن ارادتي وهي مرجع كل عمل ناجح، ومن هذا المنطلق آمنت بأنني سأحقق مسعاي وإن واجهت بعض الصعوبات، فسعيت للحصول على الرخصة ثم باشرت في البحث عن الموقع، وانتقلت بعد اختيار الموقع إلى الخطوة التالية، وهي البحث عن الكوادر المؤهلة وذات الكفاءة العالية للتعامل مع هذه الفئة.

وتوجهت إلى الأردن والمملكة المتحدة لإجراء المقابلات مع بعض المتقدمين إلى العمل في المركز، وصادف شهر رمضان تلك الفترة، ولكن حرصاً على إنهاء المشروع في أسرع وقت لم أتردد في الانتقال بين تلك الدولتين في الشهر نفسه حتى أكتمل طاقم العمل.

صاحب الفضل

والشخص الذي يعود له الفضل والذي وقف خلف تدشين هذا المشروع وإخراجه شكلاً ومضموناً بأرقى المعايير المؤسساتية والعلاجية، هو زوجي ومن هذا المنبر أوجه له التقدير والشكر، حيث لم يبخل بدعمه لاسيما المادي حيث قدم مبالغ ضخمة في بناء المركز، كما أن دعمه المعنوي، كان سنداً لي في تحقيق أهدافي التي أيدها بشدة، لذا أستطيع القول بأن خلف كل امرأة عظيمة رجل عظيم.

ميلاد المركز

وتتحدث مريم عثمان قائلة: المركز تجربة فريدة في نوعها، وقد شهد ولادة قوية حيث استقبل في أول يوم 40 حالة، وكان ذلك في عام 1994، واستطعنا من خلال طاقم العمل القوي ذي الكفاءة العالية أن نكسب ثقة المجتمع، إضافة إلى مرافقة وسائل الإعلام المقروءة والمرئية التي كان لها دور كبير في مساندة المركز وبث أخباره وأنشطته وخدماته وأهدافه للمجتمع. أما مرحلة التطوير فقد صاحبها إصرار الأهالي وتحديداً العرب الذين جلبوا أبناءهم للعلاج، على دور أكبر للمركز وهكذا توسعت خدماته لتشمل الرعاية والتعليم، وتحققت الخدمات التي وصل لها المركز اليوم، وما زلنا ندرس تطويره بين الحين والآخر.

وتتطرق إلى عوامل تطوير الذات من خلال هذا المجال فتقول: لقد اكتسبت من خلال الممارسة القدرة على تشخيص الحالات فور لقائي بها، واختيار العلاج الطبيعي المناسب لها، وبالتالي دفعني العمل إلى تفرعاته والكشف عن مجاهليه من خلال المراقبة واستقاء المعلومات المتعلقة بهذا التخصص.

وتستطرد قائلة: هناك الكثير من الدعم الذي نتلقاه وهناك ما لا يقل عن 95% من الناس يبادرون من تلقاء أنفسهم، ويقدمون دعمهم المعنوي قبل المادي من خلال الحفلات الخيرية التي يقيمونها، ومنها حفلة الفنانة ماجدة الرومي وجوليا بطرس اللتين لم تتقاضا أي مبالغ نقدية، وإنما تكفلت الجهات الراعية فقط بدفع الرسوم الأخرى بما فيها تذاكر السفر والإقامة.

مناشدة وثناء

وتضيف مريم عثمان: لكن بطبيعة الحال تفتقر المؤسسات المحلية والخيرية الدعم من الجهات الحكومية والمعنية، وعلى هذه الجهات مد يد العون والمساعدة سواء كان مادياً أم معنوياً، وعليه فإن الوزارات والجهات المعنية يجب أن تكون سنداً لنا، ولجميع مراكز تأهيل وعلاج ذوي الاحتياجات الخاصة، وأن لا تولي أدبارها لهذه المؤسسات.

وأكدت قائلة: لا يسعني عبر منبر البيان إلا تقديم الشكر والثناء لجميع المؤسسات والجهات الإعلامية التي قدمت ومازالت تسعى جاهدة لإبراز الصورة الحقيقية التي تقدمها هذه المراكز، والمضي باستراتيجية إنسانية سامية المبادئ تجاه فئة غفلت عن تناول قضاياها بعض الجهات والمؤسسات الواجب عليها الاهتمام بهم.

مشاركة

الأسرة اهتمامي الأول

 

لم يكن اهتمام مريم منصباً على الجانب المهني فحسب، ولكنه انصب على الأسرة بالدرجة الأولى، حيث كانت تندد باستمرار من خطورة انجراف أولياء الأمور وانشغالهم عن محيط الأسرة.

وقالت: أقضي معظم أوقاتي بصحبة أفراد أسرتي، وأشاركهم في إعداد موائد الطعام بما فيها مائدة الإفطار الرمضانية، وعندما أضع قدمي في أرض المطبخ تعود بي الذاكرة إلى المرحلة الأولى من الزواج، حيث كافحت وعانيت من أجل تعلم الطهي بعد أن كنت أجهله تماماً، وأجهل أيضاً كيف أوقد النار، وأحياناً أمكث في المطبخ 12 ساعة حتى أتقن إعداد وجبة واحدة ثم تحول شغف تعلم الطهي إلى هواية تسحبني في صباح كل يوم إلى المطبخ.

أما الأناقة فلم تكن كلمة تلتصق بالأزياء والملابس، وإنما صفة تنطبق على الأطباق التي حرصت على تقديمها بين وجبات الطعام المختلفة، واهتمامي بالأطباق دفعني للالتحاق بدورات في فنون الاتيكيت وتزيين موائد الطعام لا سيما موائد الإفطار في رمضان، والطبق الذي يزين سفرتي والضروري للعائلة هو طبق «اللقيمات».

أما الأصناف التي أميل لطهيها وأتقن إعدادها فهي «الحلويات»، واستطعت من خلال الممارسة الشاقة إعداد الكثير من المأكولات العالمية.

تراث

طقوس رمضان 

تحدثت مريم عثمان حول الطقوس الرمضانية بشيء من الخصوصية التي تعكس طريقة تفكيرها، وقالت إنه لا شك بأن طقوس رمضان تختلف عن أشهر ومناسبات السنة الأخرى، وتتميز بمتابعة شريحة مهمة من الناس لشاشات التلفاز من مسلسلات وبرامج هادفة في رمضان، وتخصص أوقاتاً متزايدة للجلوس مجتمعين أمام الشاشة الفضية.

وفي الحديث عن شؤون المنزل، تقول مريم: أنا أعشق البيت في رمضان، وأعشق فيه الحركة المتوالية بين المطبخ والأسرة، ورغم أنه من المتعارف عليه ارتفاع نسبة الزيارات بين أفراد المجتمع، إلا أنني لا أبادر بهذا الشيء كثيراً. ومن المشاهد التي تميزني في رمضان، أستفرد في الدخول للمطبخ بنفسي وأرفض دخول بناتي والآخرين إليه، فذلك يشعرني ببعض الخصوصية، ويشعرني بكثير من المتعة والحميمية.

وعي

سلوكيات مرفوضة

وبكثير من الوعي أعربت مريم عثمان عن أسفها الشديد حيال تصرفات وسلوكيات خاطئة لا تليق بمجتمعاتنا وبقيمنا الأخلاقية تبدر من بعض السياح الخليجيين والإماراتيين أيضا إزاء رحلاتهم في الخارج، واستخفافهم بأنظمة وقوانين السير في تلك الدول خاصة الأجنبية جراء قيادتهم بسرعات عالية في الشوارع، فضلاً عن الملابس التي ترتديها بعض الفتيات والتي تعد محور انتقاد مكثف من تلك المجتمعات الأجنبية إزاء مبالغتهم في اقتنائها.

وقالت: إن ما نراه من مشاهد سلبية تبث في المجتمعات الغربية تعد صور مشوهة لمجتمعاتنا، التي يجب أن نكون سفراءها أينما ذهبنا بشكل مشرف.

وأضافت: أعتقد أن الظهور بهذا المظهر في مجتمعات أجنبية لا يخدم قيمنا، والترويج لها، بل يؤثر سلباً، ويعطي مردوداً عكسياً.