مجموعة من الفتيات تجمعهن علاقات مختلفة، منها القرابة والجيرة والصداقة وكذلك الزمالة بسبب المهنة أو الدراسة نقترب من عالمهن كانت بعضهن منهمكات في الإصغاء إلى ما يتبادلنه من حديث حول يومياتهن، بينما أخريات يرمقن شاشات هواتفهن بين لحظة وأخرى، وبدين في حالة انشغال غير معلن، ونلقي بأسئلتنا عليهن: انتن متهمات بالاتكالية والدلال.
ومتهمات بتغليب المظهر على الجوهر، والسطحية.. ما هو ردكن، وما دفاعكن، وهل تؤكدن ذلك أم تنفينه؟ ثم هل أنتن سعيدات بالواقع الذي تعلن أمهاتكن رفضه والاستمرار في الحنين إلى عهد مضى وقد عاشوه، رغم المعطيات المتوفرة اليوم؟ فهل أنتن مع أو ضد ملامح وخصائص هذا العصر؟ وهل تتفقن مع ذويكن أم تختلفن في ذلك؟ وما هي أوجه الاتفاق والاختلاف بينكن جيل اليوم وجيل الأمس من الأهل؟
واقعنا أجمل
تلتقط الرد الأوليّ منى الشريف وهي مشروع سيدة أعمال مستقبلية لكونها اليوم فتاة اتجهت إلى مجال التجارة مبكرا فتقول عن واقع اليوم: بحسب ما سمعته وما زلت من أسرتي عن الوقت الماضي، وبالمقارنة فإن اليوم برأيي أجمل من واقع أهلي بالأمس، فمفهوم العيب على سبيل المثال اختلف، وما عادت بعض الممارسات اليوم تحظر -على الفتاة وحتى الفتى- وتوضع تحت خانة العيب كما كانت في السابق.
فبحكم نشاطي التجاري فأنا اليوم أقف مع العمال وأشرف على أدائهم، كما اني لا أواجه أي عائق يمنعني من المشاركة بمشروعاتي في المعارض حيث توجد مشاركة رجالية أيضا. كما أتمتع باستقلالية مادية، وكثير من هذه العوامل لم تتح لسيدة أعمال الأمس، ولم تحظ برأسمال خاص بين يديها، ولم تضع خطة عمل لمشروعها، وبالتالي لم تتمكن من التطور أو الإنجاز كما أرادت.
سعادة متفاوتة
وتتداخل شقيقتها مريم الشريف خريجة إدارة أعمال قائلة: نعم أتفق مع منى بأن الواقع اليوم أفضل من الأمس، فأنا اليوم سيدة أعمال يمكنني الانتشار بشكل أوسع وأسرع عن السابق، وذلك بفضل التكنلوجيا التي تساهم وتسهل الترويج لتجارتي وبالتالي تسهل عملي، بالنسبة لطرحك حول الرضا والسعادة في هذا العصر.
فعلينا أن نعترف أن هناك جانبا مختلفا وقد يؤثر وأنا عن نفسي أرفضه.. أرفض نمط التفكير المحدود في أي عصر وفي أي مجتمع، حيث لايزال في المجتمع نماذج تقليدية ومرتهنة للماضي البسيط، فمثلا أرفض الممانعة المتكررة من بعض الأسر لبناتهن في حال ارتأت إحداهن القيام بعمل حديث، أو تبنت فكرة جديدة وسعت لتنفيذها، لأن الحقيقة أن مثل هذا النمط من التفكير لا يزال موجودا وتعاني منه بعض الفتيات مع الأسف رغم الواقع الوردي الذي يراه البعض فعلا ويعيشه.
من جانبها تحدثت سمية عبدالله الطاهري- خريجة إعلام وعلاقات عامة- لكنها تمارس العمل التجاري الحر عن الدلال فقالت: بالنسبة لطرحك إذا ما كنا مدللات نحن الفتيات فالحقيقة نعم نحن وبشكل عام كذلك، فالفتاة اليوم لا تشعر بهم أو بمعاناة تذكر، وليست لديها تلك المسؤوليات الثقيلة أو الصعبة.
إضافة إلى تمتعنا أو على الأقل كثيرات منا باستقلالية مادية، وللأغلبية حرية في تحديد خياراتهن، كما أن الاختلاط والمشاركة في مجالات العمل مع أشقائنا الرجال قائمة جنبا إلى جنب. إلا أن كل ذلك ليس مطلقا فأنا لا أعتبر نفسي مدللة لكوني كبرى شقيقاتي، ووقعت المسؤولية على عاتقي، لكن شقيقاتي نعم مدللات بل وأساهم أنا في ذلك ولم لا؟
وتضيف: وقد اتجهت للعمل الحر لأني وددت العمل في تخصصي من خلف الكواليس اي كإدارية، وحين تعذر ذلك اخترت طريقا آخر ومجال عمل مختلفا ونجحت.
العمل خلف الكواليس
أما فاطمة المطروشي خريجة إعلام وتعمل موظفة في دائرة حكومية فتقول: لا شك في أن الاختلاف واضح بين اليوم والأمس، غير أنه في جوانب أكثر وضوحا من أخرى، فمنها مثلا ضرورة وجود محرم برفقتنا أثناء السفر هذا الشرط وهذا الموقف من سفر الفتاة منفردة اختلف اليوم.
ولكن يبقى الموقف الذاتي أو الشخصي من بعض الأمور، فأنا مثلا لا أفكر في العمل بتخصصي في الإعلام، رغم ثقتي واعتزازي بهذا المجال وبتخصصي وبشهادتي أيضا، لكن عزوفي لاعتقادي بعدم تقبل المجتمع لعمل المرأة في الإعلام حتى اليوم، فنحن الإماراتيات مازال الحياء والتردد يشمل بعض قرارتنا، خاصة أننا تمت تهيئتنا بعدم العمل إلا من خلف الكواليس طالما مجال العمل إعلام!
وقد يكون مرد موقفي هذا.. انني عاصرت قليلا مما عايشته عائلتي وأفراد أسرتي، وواصلت وعايشت واقع اليوم، وكثيرا أجدني أفكر بالغد وأحمل هم المستقبل وكيفية تأمينه وضرورة التخطيط له بالاعتماد على النفس. وقد يكون هذا بسبب ما شاب المجتمع من تحول، ودخول قيم جديدة وغياب أخرى نعتبرها أصيلة، هذا إلى جانب ما صرنا نلاحظه في المجتمع وهو أن الترابط الأسري والاجتماعي السابق انتهى أو قل، وانتهت أو تغيرت الأفكار السابقة وساد الخوف وتزايد. وقد أعترف بأن خصائص الأمس ومعطياته تؤدي إلى طمأنينة أكثر لأنها أكثر وضوحا.
البيت والسوق القديم
بينما تستمع مهرة صلاح المطروشي طالبة علاقات عامة وإعلام في جامعة عجمان لقصص قديمة كثيرة من والدتها فتقول: تخبرني عن بيتها بجوار السوق القديم، وكيف كانوا يخرجون لشراء احتياجاتهم من الدكان من دون خوف أو تردد أو قلق.
وذلك لأن أبناء الفريج الواحد متماسكون يخافون على بعضهم، ويعرفون بعضهم، ويهبون للتعاون والمساعدة من دون طلب فهو التصرف التلقائي في كل وفي أي وقت. وتتابع: أكثر ما أتمناه اليوم أن نستشعر الأمان الذي كانوا ينعمون به، فمن مثلي يحسدون ذويهم على معطيات لم تعد موجودة اليوم، ولكنها من الأهمية والجمال بحيث شكلت هذه الذكريات وتركت هذا الحنين، الذي لا ينفك أهالينا يكررون الحديث فيه باستمرار ودون ملل.
بهجة اواخر رمضان
أما وفاء العبدولي طالبة إعلام في شبكة جامعة عجمان فإنها تفتقد إلى ما يعرف بالعيدية وتقول: من أهم المظاهر الاحتفالية في رمضان تلك البهجة التي تأتي مع قرب موعد انتهائه، إنها المناسبة الطفولية المعروفة بـ(العيدية) التي وإن ظلت اليوم، فكأنها غابت ثم عادت بأساليب جديدة وغريبة، بعد أن بقيت راسخة في ذاكرة السكان من كبار السن الذين ما زالوا يسترجعون تلك الأجواء التي تسبق يوم العيد عندما كانوا أطفالا.. يستيقظون صباحاً في آخر يوم من أيام رمضان.
وينتظرون لليوم التالي بزوغ صباح العيد بفارغ الصبر ووافر الفرح فيجوبون الأحياء طلباً للعيدية من الجيران، يطرقون الأبواب لإيقاظ أصحاب المنازل إذا ما قضوا قيلولة مثلا، ولو أن القيلولة في نهار أول أيام العيد ملغاة بالطبع، ولكن تستمر جولات العيدية على مدى أيام العيد الثلاثة.. هذه تجربة كان لها مذاق مختلف قديما ونحنّ إليها اليوم لأنه قد شابها الكثير من التغريب والتغيير.
لا للعمل في وظيفة
تقول مريم الشريف: الحقيقة أنني خريجة ومع ذلك فأنا لا أريد العمل في وظيفة ولا أفكر في ذلك فلدي (بزنس) وهو عمل سهل ولا يتطلب جهدا ولا تقيدا بساعة حضور أو بوقت عمل، من يقول بأننا جيل كسول فإنه يبالغ، فأنا حقا أعتمد على أهلي، وأعترف بأني أحمل والدتي المسؤولية في كوني أتحيز للراحة، لكن هذا لا يعني مطلقا أنني لا أعرف شيئا عن عمل البيت؛ بل أعرف أداء كل أعمال المنزل ولكني لا أقوم بها في وجود العاملة المساعدة بينما في غيابها فإني لا أتردد ولا أتذمر واقوم بكل أعمال البيت، خاصة أن عملي الخاص لا يستغرق مني وقتا طويلا.
حيث تكفي ساعة أقضيها في الإشراف على عملي الخاص. وتستطرد قائلة: ان لأسرتي الفضل في ذلك فلدى شقيقي مشغل وقد شجعني وسهل علي العمل بحيث خصص لي جزءا منه وعاملا من عماله، فبدأت نشاطي التجاري من دون رأسمال وإنما من (العرابين) الدفعات المقدمة التي أستلمها من الزبونات نظير كل طلب وهذه شكلت جزءا من رأس المال، أما التصاميم فهي من مقتنياتي الخاصة حيث بدأت من الصديقات وحين تعجب إحداهن بتصميم مما أرتدي أقوم بتنفيذه لها.
وجهات نظر
نظرا لما طرأ على الحياة الاجتماعية خاصة من تغير شمل كافة مجالاتها، فإن هناك من يخرج على إطار المجالس العائلية أو المنزلية لكسر الروتين ربما، وربما للانخراط في حياة الواقع الخارجي، حيث تشهد مقاهي المولات حضورا لافتا لمجموعات الصديقات، وتضم موائدها نقاشاتهن وطروحاتهن، حيث تفضل بعض الفتيات وضعها بعيدا عن مسامع الأسرة.
لكن ذلك يبقى من شكليات العصر التي لم تؤثر على جوهر تقاليده الأصيلة، حيث المجلس عصب رئيسي في كل منزل، فهو الملتقى الاجتماعي الأول والثقافي لكل عائلة، فيه تعقد الاتفاقات ومنه تنطلق الآراء، كما انه المضيف الذي يحتضن زوار العائلة، ويكون مقر اقامتهم في فترة بقائهم التي تتجاوز الأيام الثلاثة غالبا. هذه كانت إحدى وظائف المجالس في السابق، وكان المجلس وما زال يسمى باسم صاحب البيت ورب الأسرة أو كبير العائلة. واليوم نشهد نماذج مختلفة من المجالس، لا تقتصر على الرجال وإنما شملت النساء كذلك.
وتنوعت طبيعتها، غير أن الطابع الغالب عليها هو الاجتماعي الثقافي، وإذ تختص النساء بمجالسهن فإن ذلك إمعان لتكريس التقاليد الأصيلة بتأمين الخصوصية لحضور المرأة وطرحها لقضاياها بأريحية وشفافية، إضافة إلى تمكين الفتاة من المشاركة بعد تأهيل وعيها الاجتماعي، ومما لاشك فيه أن هناك ضرورة في هذا العصر لتقريب وجهات نظر الأجيال، وخاصة الفتيات وإتاحة الفرص لاكتشاف مكنوناتهن وأفكارهن، والاطلاع على مشاريع مستقبلهن، في ظل رعاية ناضجة وتوجيه حميم.
