لكل عصر تحدياته، وزمن الأجداد والآباء له تحديات واجهوها بالسواعد والصبر والاكتفاء الذاتي. من الأمس يطل علينا في مواسم الدعم والوفاء للعهود الماضية مقاطع من تراثنا، نستلهم منها ونستمد ثيمة الانطلاق والعمل، وتقدير تراث بنيناه وبنانا رجالا ونساء. وهنا إذ تقترب العدسة من الأمس فنلقي عليهما نظرة ونقدم لهما انحناءة تبجيل وامتنان ونلقي التحية.
ما الذي تبنيانه؟
نبني عريشا من الجريد؟
وما هي المواد التي تستخدمانها؟
كما ترين.. الجريد، والحبال والداس والمسلة و(اليدوع) أي الجذوع وهي جذوع النخل، وخشبات طويلة نسميها مربعة.
هذه فقط أدوات البناء وهل تؤدي الغرض؟
نعم هي هذه للمرحلة الحالية، ولكن هناك مواد أخرى بسيطة تأتي في المرحلة الأخيرة.
صف لنا ما تقومان به؟
أولا كل ما نستخدمه هو من إنتاج النخلة، الحبل والجريد والجذوع التي نستخدمها أعمدة دعم في الزوايا الأربع، وحتى المسلة وهي من جريدة النخلة وتُبرد بشكل دقيق حتى تنساب بالحبل، وتستخدم كما تستخدم إبرة الحياكة، لتمرير الحبل بين الجريد.
ماذا يسمى هذا الجزء الذي تبنيانه؟
يسمى الظهر، وهو مؤخرة العريش ويكون من الجريد المرصوص جنبا إلى جنب ومثبت بالحبال بشكل جيد ومحكم.
وهل لأجزاء العريش أسماء؟
نعم بالطبع، فالعريش يأتي بشكل مستطيل، ويتكون من الظهر مؤخرة العريش وهذا هو، والبطن وهو الجزء الاكبر الذي يثبت أحد أعمدة الباب به، والدفعتين ومفردها دفعة، وهما جانبي العريش، والسقف والباب طبعا. وتسمى الأعمدة التي تدعم الباب مصاريع ومفردها مصراع.
لكن لم تجرد الجريدة من الخوص؟
غير أنها مسألة أذواق، لكن العريش ليس مسكن الصيف فقط بل ايضا مسكن للشتاء، وحين تجرد الجريدة من خوصها هذا يعني أنه عريش صيفي، بينما تترك الخوص في عريش الشتاء، لتشكل مع الحبال و(الحياب) عوازل جيدة من البرد والريح. و(الحياب) أو (الحجاب) هي بطانة من الحصر تثبت حول محيط الخيمة غالبا.
هل يكفي قيام شخصين لبناء البيت؟
نعم كاف جدا، فنحن نبني البيت كاملا، بشكل هندسي، فيتكون البيت من أكثر من عريش، ومطبخ، وزوية تكون في طرف البيت لغرض الإستحمام، ومكان لغسل الأواني، إضافة إلى المنامة أو السيم التي تبنى في وسط البيت لغرض النوم عليها ليلا في الصيف وتضم جميع أفراد الأسرة.
وكم يستغرق البناء؟
قد يستغرق أسبوعا، أو في أكثر تقدير عشرة أيام، فنحن نتعاون، وقد نبني أكثر من بيت في الوقت نفسه فمثلا بيتي وبيت جاري وأخي، وهكذا تقوم في وقت واحد، وتنجز في نفس الوقت.
وكيف تؤمنون الحماية للعرش؟
نبني (حوي أو الحوي) وهو سور يحيط بالبيت، فإن كان البناء في وسط الأرض كان السور من الخارج، وإن كان البناء في طرف الأرض فإننا نشبك السور من زاوية كل عريش، وهنا يكون السور أقوى.
حدثنا عن سقف العريش؟
السقف يكون في النهاية، ونستخدم له إما جندل وكان يجلب من زنجبار والهند، أو مربعات، خشب طولي توضع في السقف حسب مساحة العريش فقد يحتاج ثلاثا أو أربعا أو أكثر، لكن الأصعب هو وضع السقف، ويستخدم له الدعن واحد أو اكثر، وجمعها دعون وأيضا من جريد النخل ولكن من دون جرد الخوص.
لماذا؟
لأنه ثقيل، ويحتاج لدقة ولأكثر من شخصين لرفعه، وأيضا تكمن الصعوبة إذا أردنا عمل (بارجيل) مثلا للتهوية والتبريد، هنا فقط يحتاج لعدد أكبر من الرجال ولكن لم نشكُ قط من خذلان فنحن نتعاون من دون طلب مساعدة، فبمجرد أن يعلم واحدنا أن جاره أو صديقه سيبني عريشه نفزع جميعا معه وكل منا يحمل أداة معينه، وبعضنا قد يساهم بالحبال، أو بجلب المرطبات أو الشاي والمياه وكل ذلك من دون طلب. وغالبا المساعدة تقدم من بعد صلاة العصر، حيث نكون في اشغالنا ومصالحنا في النهار، لكن حتى ذلك لا يمنع من المساندة والمساعدة حتى يتم البناء.
هل هناك احتمال إصابة عمل مثلا؟
أجل هناك إصابات ولكنها باعتبارات اليوم لا تذكر، فقد تدخل شوكة من الجريدة في يد أحدنا، أو يأتي إصبعه تحت الحبل أثناء الشد بقوة، وقد يسقط دعن السقف على واحدنا أو يسقط الشخص نفسه من أعلى وهو يحمل السقف، ولكن كلها مخاطر بسيطة وليست جسيمة ولله الحمد. ولم نكن نستخدم أي وسائل أو أدوات حماية، سوى أننا نرتدي ملابسنا نفسها ونأتزر فوقها بـ (الوزار) لحمايتها من الاتساخ. إن متعة بناء العريش لا تضاهى لأن روح التعاون والسعادة بعد الانتهاء مشاعر لا توصف ولا يحصل عليها بثمن.
