نقترب منه، فلا يثار انتباهه، ولا يتحول تركيزه عما يقوم به من عمل، ويبدو العمل بسيطاً، لا يتطلب كل هذا الاستغراق، لكنه الاخلاص في العمل، والتركيز على الأداء، ونستمر في الاقتراب من احد رموز الحياة التقليدية، المرتبطة بالتراث، حيث لم يتعال على مهنته ولم يتخل عنها، وبقي وفياً مرتبطاً بها، مؤدياً لها ما بقيت النخلة.
نستأذنه في لحظات من الدردشة حول ما يقوم به، ومن دون أن تتوقف يداه عن العمل، يرفع بصره إلينا مرحباً، ومعيداً إلينا التحية ببشاشة.
نتعرف إلى اسمك؟
علي سيف، ونقرأ من على بطاقة التعريف الاسم كاملاً.. علي سيف رقروق.
ماذا تعمل؟
تمر مدبّس.
وهل يوجد تمر بلا دبس؟
نعم هناك تمر بارد.
ما هو؟
مثل هذا الذي بين يدي نوع يسمى جش حبش، من نخيل رأس الخيمة.
ولماذا تضيف له الدبس؟
لأن الدبس يمنح طعماً أفضل.
أي نوع من الدبس هذا؟
إنه دبس الخلاص.
هل تضاف مواد أخرى لهذا المزيج؟
نعم.. الزنجبيل والسمسم.
لم يستخدم هذا النوع؟
يفضل في المواسم الباردة مثل فصل الشتاء. وكذلك في شهر رمضان، لأنه بارد وفي الوقت نفسه يمنح طاقة.
وهل هذه مهنتك؟
أنا أعمل في مجال التراث وهذا جزء مما كنت وما زلت أقوم به.
هل يقبل عليه الناس؟
نعم وبكثرة، لأننا نتحكم في مقدار الدبس المضاف وبالتالي نتحكم في مذاق المزيج.
هل تعتقد أنه عمل صعب؟
باعتبارات الأمس هو كذلك، بسبب شح المصادر، وهو اليوم صعب بسبب كثافة الموارد وتغير مذاقات وأمزجة الناس، لكن مع كل ذلك، فالإقبال على ما هو طبيعي يرجح الكفة لصالح موارد البيئة.
نفهم من ذلك أن هذه الصناعة ما زالت تشهد رواجاً؟
بالطبع.. خاصة أنها تحضر في فصل لا يوجد به رطب، ونحن مجتمعات لا نستغني عن هذه المادة الغذائية الأبدية والمفضلة بل المقدسة.
. هل يعتبر ذلك تعويض عن تناول الرطب؟
شيء من هذا، ولكن هذا غذاء الشتاء، وما نضيفه إليه من توابل وحبوب، فذلك جيد وبهدف مكافحة البرد والإصابة بأمراض الشتاء ومنها عوارض الزكام مثلاً.
هل يقبل الشباب على تعلم مثل هذه الأعمال أم يكتفون بالفرجة؟
قد يكتفون بالفرجة في الوقت الحاضر، لكن الأجدى والأفيد أن يقبلوا على تناول هذه الأغذية الصحية والطبيعية.
ألا تتصور أن مثل هذه المهن سوف تنقرض مستقبلاً؟
نحن لا نريد ذلك، ولذلك ما زلنا محافظين عليها، وهو واجبنا، حيث إننا نحاول تشجيع النشء على تجربتها، حتى لو لم يريدوا ممارستها.
لو أردت توجيه كلمة لجيل اليوم فماذا ستقول؟
أدعو الشباب والشابات إلى ضرورة الاطلاع على الموروث.. مهناً كانت أو عادات، وانتقاء كل منهم ما يناسبه. كما أتمنى أن يستفيدوا من علمهم ومن المواد المتاحة لهم في هذا العصر لتطوير ما يمكن تطويره من التراث، وإني واثق من جدوى ذلك لهم وعلى جميع الصعد.
