اليوم؛ وقد رسمت دولة الإمارات خطوطاً عريضة في سجل الخير والبذل والعطاء للإنسانية جمعاء، لم تكن تقصد من وراء ذلك، أن تصبح مثالاً أو رقماً صعباً، وقد صار لها ذلك وهو حق. الواقع يؤكد بالشواهد والحقائق.. ما أكثر مؤسسات الخير في إماراتنا السبع، وما أوفر نصيب الإنسانية من عطاء رسمي وشعبي.. ذلك نهج لم يدرسه الطلبة أو يقرأه الآباء والأمهات، إنه فطرة وُجد عليها أهل البلاد حكومة وشعباً، فصار جسراً عالمياً يُضاء بنور أيادي العطاء البيضاء.. في هذه المساحة المتكررة في شهر رمضان المبارك، سنعرض غيضاً من فيض العطاء لمؤسسات الخير المنتشية بالولاء للإنسانية وحسب.

قبل بزوغ نجم مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، وبروزها ككيان يُعنى بالمشاريع التنموية المختلفة، وبتقديم الدعم المادي والمعنوي لكل من يستحق ذلك، ظلت يد العطاء للمغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، تطال كل مكان فيه محتاج أو فقير، كان، رحمه الله، يتابع شخصياً أحوال مواطنيه والمحتاجين منهم، وكل من يطرق بابه كان يحظى بالعون والمساعدة من دون تردد، لأن السخاء والعطاء نهج تربى في رحابه.

 

أدرك، رحمه الله، بعد ذلك أنه لابد من تنظيم هذا العمل الخيري، في إطار مؤسسة ترعى هذه الأعمال وتنظر في مصالح الناس، حتى يمكنها الوصول إلى أكبر عدد من المحتاجين والفقراء في أصقاع الدنيا، فجاء ميلاد المؤسسة بمكرمة وقفية خصصها للقيام بهذا الدور الإنساني، وكان الشرف الأول لرئاسة مجلس أمنائها، لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ومن بعده تحمل المسؤولية أخوه الشيخ أحمد بن زايد، رحمه الله، واليوم تتابع المؤسسة أعمالها من قبل مجلس أمنائها برئاسة سمو الشيخ نهيان بن زايد آل نهيان رئيس المجلس، وأخيه سمو الشيخ عمر بن زايد آل نهيان نائب رئيس المجلس، وهما يسهمان بدور كبير وفعال في مجالات متعددة من الخدمات الخيرية والإنسانية.

لكل محتاج

يقول أحمد شبيب الظاهري مدير عام المؤسسة: منذ أن تحملنا هذه المسؤولية وبتعاون مثمر من مجلس الأمناء، ونحن نعمل جاهدين على تحقيق أهداف وبرامج المؤسسة، ونحرص على إيصال رسالتها إلى كل محتاج، ومن البرامج التي نفذت على مستوى الدولة ـ من باب الذكر لا الحصر ـ تلك البرامج الثابتة والأساسية في المجالات التنموية، وخاصة الموجهة إلى الفئات الأكثر حاجة، والتي تختص بتنفيذ مشاريع في مجالات التعليم والصحة والمياه والعمل الاجتماعي، تماشياً مع مسيرة النهضة التنموية التي تشهدها الدولة في سائر القطاعات، وذلك وفق أطر حديثة ونظام إداري متطور، وقد حصلت المؤسسة والحمد لله، على شهادة «الأونروا» الدولية، كما شاركت في جائزة أبوظبي للتميز الحكومي وحصلت على شهادة تقدير، ونالت الكثير من الشهادات التقديرية والأوسمة والدروع، وكل واحدة من هذه الأوسمة تحكي قصة مشروع نُفذ داخل الدولة أو خارجها.

مشاريع خارجية

ويضيف: كل ذلك تم ببركة عمل الخير واسم الشيخ زايد، رحمه الله، وبفعل الدعم السخي الذي تحظى به المؤسسة من القيادة الحكيمة لدولة الإمارات. وبالجهد نفسه الذي نسعى من خلاله إلى تقديم هذه المساعدات داخل الدولة، نعطي الأهمية أيضاً إلى مشاريع التنمية خارج الدولة، ولدى المؤسسة مشاريع كثيرة قيد التنفيذ في لبنان، وفلسطين، واليمن، وأفغانستان، وباكستان، والبوسنة والهرسك، وفي بعض الدول الأفريقية. ومن أهم المبادرات الإنسانية، قيام المؤسسة بالتعاون والتنسيق مع ديوان سمو ولي عهد أبوظبي، بتلقيح أطفال فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالتعاون مع شركة RVF العالمية، ومع وزارة الصحة الفلسطينية، وبمتابعة حثيثة من قبل سفارة الدولة في المملكة الأردنية الهاشمية.

أما المشاريع التي أنشأت وسُلمت، فحدّث ولا حرج، وقد تم إنجاز كلية التمريض والبصريات في فلسطين، ومستشفى الأمومة والطفولة في صنعاء باليمن، وفي أفغانستان أيضاً، ومستشفى السرطان في مصر، وكلية اللغة العربية لغير الناطقين بها في جامعة الأزهر، ومسجد الشيخ زايد في المغرب، ومركز الشيخ زايد الثقافي في أثيوبيا، وكلية للعلوم الإدارية في مالي، وفي تشاد كلية الشيخ زايد في جامعة «ادن برك»، إلى جانب حفر المئات من الآبار الارتوازية في عشر دول أفريقية وعربية، وغيرها كثير لا يتسع المقام لذكرها.

الميزانية والمشاريع

وفي ما يخص أعمال البر والخير للإنسانية، في حياة مؤسس الدولة، طيّب الله ثراه، فقد امتدت إلى كل مكان، وعبرت جسور القارات بعطاء سخي لا ينتظر شكراً من أحد، فعطاؤه، رحمه الله، ساهم في تجسيد تنمية خاصة على مستوى الدول الفقيرة، الأقل نمواً والأكثر حاجة والأشد حرماناً، وتوزع على مستوى الأفراد والمؤسسات، بل والدول الأقل نمواً في دخلها واقتصادها، وترجم ذلك بالعديد من المساعدات الإنسانية في كل الاتجاهات دون الالتفات إلى عرق أو لون أو دين.

ويوضح أحمد شبيب الظاهري أنه حينما زادت هذه المساعدات وتوزعت دون حدود، وقد كانت تعطى بواسطة ديوان الرئاسة، أو عن طريق الدائرة الخاصة، وفي كثير من الأحيان تصرف باسم عابر سبيل، صار لا بد لهذه المساعدات من إطار مؤسسي يجمعها ويلمها في نظام قانوني وإداري، ويضبط عملية تقديمها حتى تصل إلى كل محتاج، ومن هذا الاتجاه ظهرت الحاجة إلى قيام المؤسسة، فأصدر الشيخ زايد، رحمه الله، مرسوماً بتأسيس المؤسسة، واعتمد لها النظام الأساسي والبرامج التنفيذية.

بدأت ميزانية المؤسسة بعشرة ملايين دولار، وبلغت 40 مليون دولار في عام 2006م، صرفت بنسبة 60% داخل الدولة و40% في الخارج، وحالياً تعمل المؤسسة على توسع مجال خدماتها، من خلال مقرها الرئيسي في العاصمة أبوظبي، أما في المناطق الأخرى فتعتمد على الهيئات الخيرية لتوزيع المساعدات وبالإشراف على المشاريع، وعلى مستوى الخارج فإن سفارات الدولة تمثل المؤسسة في الإشراف والمتابعة، وفي تسهيل مهام عمل المؤسسة في تقديم الرعاية والمساعدات المختلفة والإشراف على البرامج الصحية والتعليمية وغيرها، كذلك تتعاون المؤسسة مع المنظمات الدولية، والهيئات والمؤسسات العاملة في المجالات الخيرية والإنسانية، ومع الجهات الحكومية والموثوق بها، وهذا التعاون يسهل كثيراً أعمال المؤسسة في معرفة حاجة المجتمعات والأفراد، ومن ثم تنفيذ المشاريع بعد إجراء الدراسة اللازمة.

 

الكوارث الطبيعية

وعلى صعيد الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والفيضانات وغيرها، التي تقع في بعض البلاد، وتسبب أضراراً كبيراً من حيث الوفيات والإصابات، فمن الطبيعي أن تشارك الدولة في المساعدة وتقديم العون، والدولة ولله الحمد، من الدول الرائدة في مساعدة الآخرين، وتخفيف الضرر عن الشعوب، ولها مواقف لا تنسى في المؤازرة والمساعدة.

وعلى مستوى المؤسسة فهي ترى أن من واجبها تخفيف المعاناة عن الذين تعرضوا لمثل هذه الكوارث، وفي مثل هذه الأحوال تعمل المؤسسة ضمن رؤية الفريق الواحد، مع كل الجهات الخيرية العاملة في الدولة وفي الدولة التي حلت بها الكارثة، وتقوم استراتيجية المؤسسة في مجال الإغاثة، على أساس التركيز على مشاريع إعادة الأعمار في المناطق المنكوبة، وتهيئة الأوضاع من جديد وإعادتها إلى ما كانت عليه، تماماً كما حصل في زلزال منطقة (جامو وكشمير) في جمهورية باكستان الإسلامية، وفي مثل هذه الحالة توقع مذكرة تفاهم مع منظمة اليونسكو لتنفيذ برامج إعادة تأهيل النظام التعليمي في المناطق المتضررة من الزلزال، كما تلعب المؤسسة دوراً تكميلياً لتوصل المساعدات وأعمال الخير إلى كل محتاج ومستحق.

موائد في بلاد الإسلام

تختلف خطط وبرامج شهر رمضان عن بقية البرامج التي توفرها المؤسسة، باعتبار رمضان شهر الخير والعطاء، ففي هذا الشهر تقصد الوفود العربية والإسلامية المؤسسة على هيئة زيارة، ضمن برامج خاصة، ومعظم زوار المؤسسة من علماء الإسلام الذين يتوزعون على مساجد الدولة لإلقاء المحاضرات الدينية، التي تهدف إلى نشر فضائل الصوم، والصدقة في رمضان، وإلى تعزيز ملامح العمل الخيري والإنساني في هذا الشهر الكريم. وفي السنوات الماضية انتهجت المؤسسة نهجاً جديداً، من خلال توفير خيم رمضانية للإفطار في مساجد الشيخ زايد المنتشرة في جميع إمارات الدولة، لمساعدة الجاليات الإسلامية الفقيرة التي تعمل في الدولة، والقصد من ذلك تعميم حس التآخي بين المسلمين.

وزرع بذور الرحمة والعطف بينهم، وقد توسعت المؤسسة في عملها هذا، إذ نشرت في الأعوام الماضية موائد إفطار الصائم في الكثير من بلدان المسلمين، بدأت في مسجد النور بمركز الشيخ زايد في أديس أبابا عاصمة أثيوبيا، وكذلك الموائد الرمضانية في فلسطين، وستشهد السنوات المقبلة توسيع موائد الإفطار في أكثر من بلد إسلامي، وحيث تتواجد الأقليات الإسلامية في مختلف دول العالم.

مؤشرات

لجان رسمية تحدد أولويات المساعدة

 

تلتزم مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية في إقرار مشاريعها للدول والمجتمعات المستحقة، باعتماد مؤشرات متعددة أهمها: تقارير المنظمات الإنسانية الدولية التي تردها بانتظام، وزيارة وفود من هذه المنظمات إلى مقر المؤسسة في أبوظبي لدراسة واقع المناطق المحرومة والأقل نمواً، ومعرفة حاجتها لدعم التنمية واجتياز مرحلة خط الفقر. ومعظم هذه المناطق الفقيرة تقع في أفريقيا وشرق آسيا وبعض الدول العربية، ومن أهم هذه المنظمات التي يجري التعاون معها، منظمة UNDP في مجال التنمية، واليونسكو في مجال التعليم، ومنظم الصحة العالمية، والأونروا بشأن اللاجئين، ومنظمة التعاون الإسلامي، وغيرها من المؤسسات العالمية.

وترد إلى المؤسسة دراسات وبحوث من سفارات الدولة في الخارج من بعض البلدان الفقيرة، إلى جانب ما يرد من جمعيات وهيئات أهلية وحكومية، وكل هذه الدراسات والبحوث يتم دراستها عبر لجان رسمية تحدد أولويات المساعدة، وتعتمد المؤسسة بدرجة أساسية على سفارات الدولة في الخارج، باعتبار السفارة الجهة التي تعرف مدى حاجة هذا البلد أو ذاك إلى المساعدات الخيرية والإنسانية.