اليوم؛ وقد رسمت دولة الإمارات خطوطاً عريضة في سجل الخير والبذل والعطاء للإنسانية جمعاء، لم تكن تقصد من وراء ذلك، أن تصبح مثالاً أو رقماً صعباً، وقد صار لها ذلك وهو حق. الواقع يؤكد بالشواهد والحقائق.. ما أكثر مؤسسات الخير في إماراتنا السبع، وما أوفر نصيب الإنسانية من عطاء رسمي وشعبي..
ذلك نهج لم يدرسه الطلبة أو يقرأه الآباء والأمهات، إنه فطرة وُجد عليها أهل البلاد حكومة وشعباً، فصار جسراً عالمياً يُضاء بنور أيادي العطاء البيضاء.. في هذه المساحة المتكررة في شهر رمضان المبارك، سنعرض غيضاً من فيض العطاء لمؤسسات الخير المنتشية بالولاء للإنسانية وحسب.
الزائر لمؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية في أبوظبي، سيُبهر لا محالة بحجم العطاء الذي يرقى إلى مسماها، فمنذ تأسيسها في عام 1992 وحتى اليوم، لم تكتفِ المؤسسة بتقديم مختلف أشكال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين للتخفيف عن الأسر المحتاجة داخل الدولة، بل طالت أياديها البيضاء مسافات واسعة خارج حدود الدولة.
وفي كل الاتجاهات أنشأت العديد من المنشآت التنموية والاقتصادية، فحفرت الآبار الارتوازية، وشجعت الأفراد على الزراعة وتربية الحيوانات، بل إنها افتتحت العديد من المدارس والمساجد والمجمعات السكنية لقاطني الأرياف والمناطق النائية في مختلف دول العالم. أمام هذا الواقع الزاخر بالخير والعطاء، تبقى مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية.

كياناً فريداً، وُجد في إمارة أبوظبي يوم الخامس من أغسطس1992م وفقاً للمرسوم الأميري رقم 5 لسنة 1992م، الذي رسم لها رؤيـتها ورسالتهـا وقيمهــا، النابعة من الأقوال المأثورة والمبادئ السامية لمؤسسها وصاحب مكرمتها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، وهو القائل في مقولته التاريخية: «إننا نؤمن بأن خير الثروة التي حبانا الله بها يجب أن يعم أصدقاءنا وأشقاءنا».
وقد جعل رحمه الله من هذا القول المأثور، عملاً يطبق ونهجاً يحتذى في المبادرة والعطاء، ترسيخاً للهوية الإماراتية القانعة بنشر الابتسامة، وإغاثة الملهوف، وحب الخير، والشفافية، فقد ظل المغفور له الشيخ زايد رائداً في مجال الأعمال الخيرية والإنسانية، حتى بنى دولة قوامها التماسك والتلاحم.
وشعارها الوطن الواحد والبيت الواحد والأسرة الواحدة، فلم يترك يتيماً إلا رعاه، ولا محتاجاً إلا واساه، ولا صاحب دين إلا فك دينه، وهكذا ظلت هذه المؤسسة الرائدة، تسعى جاهدة إلى أن تظل متميزة في مجال الأعمال الخيرية والإنسانية سعياً نحو الارتقاء بحياة البشر كافة، وترسيخاً لمبدأ الالتزام بتطبيق نظام إدارة الجودة على جميع أنشطتها الخيرية والإنسانية، والعمل على تعميم هذه السياسة على جميع شركائها في الداخل والخارج.
أهداف المؤسسة
يقول أحمد شبيب الظاهري مدير عام المؤسسة، إن مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية تهدف إلى القيام بأعمال الخير والبر والإحسان والنفع العام الممكنة بشتى أنواعها، داخل الدولة وخارجها حيث تستطيع التواجد، وهي مؤسسة عامة مستقلة مخصصة لأعمال الخير والبر والإحسان، وتسهم في إنشاء ودعم المراكز الثقافية الحضارية، ومجامع البحث العلمي المتميز، والمؤسسات التي تهتم بالتوعية الإنسانية.
والتعريف الصحيح بتعاليم الدين الحنيف، وآدابه وتراثه وحضارته، وإسهامات علمائه في تطوير الحضارة الإنسانية عموماً، والعمل على إنشاء ودعم المدارس، ومعاهد التعليم العام والعالي، ومراكز البحث العلمي والمكتبات العامة، ومؤسسات التدريب المهني، وتقديم المنح الدراسية، ودعم جهود التأليف والترجمة والنشر.

إضافة إلى إنشاء ودعم المستشفيات، والمستوصفات ودور التأهيل الصحي، وجمعيات الإسعاف الطبي، ودور الأيتام ورعاية الطفولة، ومراكز السنين والمعاقين، ومن الأدوار الكبيرة التي تقوم بها المؤسسة، الإسهام في إغاثة المناطق المنكوبة بالكوارث الطبيعية والاجتماعية، كالمجاعات والزلازل والفيضانات والعواصف والجدب، ودعم الأبحاث والجهود التي تحاول رصد احتمالاتها والاحتياط لمواجهتها واحتوائها.
مساعدات صحية
وعلى مدى السنوات الماضية قدمت المؤسسة مساعدات في مختلف المجالات الإنسانية، ومنها برنامج العلاج الطبي والمساعدات الطبية، إذ تقدم المساعدات إلى المريض الذي يصعب علاجه في الدولة، وتوفر مبالغ مالية للحالات التي تستدعي المساعدات المادية، كمرضى السكري والضغط والمصابين بالتهاب الكبد وغيرها من الأمراض المستعصية.
ويعتمد مجلس الأمناء مبلغاً سنوياً مقطوعاً لتغطية نفقات العلاج، وكذلك برنامج المعونات والمنح الدراسية التي تتكفل المؤسسة بموجبها بتحمل الرسوم الدراسية ونفقات المعيشة وتذاكر السفر وغيرها من المزايا التي تحددها اللجنة، وهذه المنح يستفيد منها أبناء المقيمين بالدولة أسوة بالشباب المواطن.
برنامج الحج
ومن البرامج الهادفة والمتواصلة تحت مظلة مؤسسة زايد للأعمال الخيرية، برنامج الحج الذي يتكون من شقين (رسمي وعادي)، والذي يُمكّن ألف شخص من المسلمين سنوياً من أداء فريضة الحج، منهم 600 مواطن و400 شخص من خارج الدولة، وهذا البرنامج كان المغفور له بإذنه تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يشرف عليه شخصياً ويصرف عليه من نفقته الخاصة.
وقد تقرر أن يتواصل البرنامج بعد وفاته رحمه الله، لما له من فائدة عظمى للمسلمين، وأسندت مهمة تنفيذه سنويا إلى المؤسسة التي أصبحت تحمل اسمه، فهي الجهة المخولة بالإشراف عليه، وتعد كافة فقراته وتنفيذه خطوة بخطوة. ومن شروط هذا البرنامج إعطاء الفرصة لمن لم يسبق له أداء فريضة الحج، وذلك حتى تعم الفائدة عدداً كبيراً من الحالمين بأداء فريضة الحج من المسلمين، وغير القادرين على تحمل نفقاته.

وأن يكون عمر الشخص بين 45 عاماً و75 كحد أقصى، ويتم اختيارهم من البلاد الآسيوية والإفريقية الأقل نمواً، وخاصة من الأقليات الإسلامية في هاتين القارتين، وتخصص موازنة خاصة في المؤسسة تقدر بـ 2،720،000 درهم لتنفيذ البرنامج الرسمي في الدولة، ومبلغ 200،000 درهم لتنفيذ البرنامج خارج الدولة، وتتولى المؤسسة دراسة الحالات السنوية حسب متغيرات الحياة والتكاليف.
برنامج المطبوعات
وتولي مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، جل اهتمامها، بتعريف الشعوب غير المسلمة بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف من خلال برامج ثقافية وإعلامية، تبرز آداب الإسلام وتراثه وحضارته وإسهامات علمائه في تطور الحضارة الإنسانية، ومن هذا المنطلق أنشأت المؤسسة برنامج المطبوعات.
وتُحدد من خلاله أنواع المطلوبات وأولوياتها، وانتقاء الكتب، والبحوث، والبحث عما هو مناسب ومفيد للأمة الإسلامية، ومن أهم مطبوعات المؤسسة، طباعة القرآن الكريم وتفسيره، وترجمة معاني القرآن الكريم بمختلف اللغات، وطباعة الشرائط المسموعة والمرئية لاسيما الترجمة الشفهية لمعاني القرآن وبلغات مختلفة، كما يتضمن البرنامج طباعة مختلف الكتب والبحوث، التي تتناول علوم الحديث النبوي الشريف، ومتون الحديث، وشروحه والسيرة النبوية الشريفة، وسير الصحابة والتابعين.

والكتب الإسلامية المتمثلة بدعم المؤلفات الميسرة التي تتناول القضايا والمواضيع ذات العلاقة بالشأن العربي والإسلامي، مثل التضامن، ومستقبل الإسلام، ومكانته، وسماحة الإسلام، والمرأة في الإسلام، وحقوق الإنسان المسلم. وإلى جانب ذلك تهدف المؤسسة إلى تقديم المنح، لطباعة الكتب ذات القيمة المعرفية العالية، وتعطى الأولوية لنشر كتاب الله وتعاليمه، والكتب ذات الطابع الدعوي الهادفة إلى تقوية الإيمان، ونشر الدعوى الإسلامية.
وهناك لجنة خاصة معنية لهذا البرنامج، هدفها اختيار الكتب المتفق عليها والتي هي ضمن الشروط، ولا تكتفي المؤسسة بهذا العمل الأدبي الكبير فقط، لكنها تتولى إصدار مجلة (التاريخ العربي) بالتنسيق مع اتحاد المؤرخين المغاربة.. ويبقى من أكبر وأهم مشاريعها أنها اليوم بصدد إصدار أكبر موسوعة علمية إسلامية في الفقه الإسلامي وسيعلن عنها قريباً.
دعم التعليم
وقد حرص المؤسس رحمه الله منذ البداية على التعليم بشكل عام، وأعطاه جل اهتمامه ورعايته، وخلال السنوات الماضية استفاد من هذه المخصصات شباب كثر من الأقليات الإسلامية في آسيا وإفريقيا ومن البلاد العربية الأقل نمواً، وفقا لمعيار الأمم المتحدة والبنك الإسلامي للتنمية..
والمعونة الدراسية هي عبارة عن إعانات مالية تشجيعية شهرية أو سنوية، يستفيد منها الأوائل من أبناء المواطنين والمقيمين في مدارس تحفيظ القرآن الكريم، والمعاهد الشرعية داخل الدولة، شريطة أن يكونوا من المتفرغين لحفظ القرآن الكريم، والحاصلين على الشهادة الثانوية العامة بنسب متفق عليها، وحملة الشهادة الثانوية العامة من أبناء الأقليات الإسلامية، وهناك أيضاً مكأفاة التفرغ العلمي.
وهي منحة مالية تخصصها المؤسسة للباحثين والعاملين بالجامعات والمعاهد العليا والخبراء، والباحثين العاملين في الهيئات الخيرية الذين يبتعثون لفترة زمنية محددة، لتشجيع العلم والأبحاث العلمية. ويعتمد مجلس الأمناء وضع السياسة العامة لبرنامج المنح واعتماد الميزانية، واللجنة التنفيذية هي الجهة المسؤولة عن إدارة هذا البرنامج.
مرضى من 26 جنسية
تشير الإحصاءات الحديثة لمؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية بشأن البرنامج الطبي تحديداً، إلى تزايد متواصل في عدد المستفيدين، إذ بلغ إجمالي المرضى حتى نهاية عام 2010، 2997 مريضاً عولجوا بمبلغ إجمالي قدره 46 مليوناً و945 ألفاً و781 درهماً. وفي العام 2011 بلغ عدد المرضى الذين حصلوا على مساعدات 2070 مريضاً، بمبلغ إجمالي ثلاثة ملايين ونصف المليون درهم.

وهم من جنسيات عدة بواقع 26 جنسية مختلفة. ومن هذه الإحصائية تبرز أهمية برنامج العلاج الطبي لدى المؤسسة. وفي جانب المعونات الدراسية بلغ عدد المستفيدين منها، خلال العام الماضي 1143 طالباً وطالبة بمبلغ إجمالي قدره ثلاثة ملايين و671 ألف درهماً، وقدمت المؤسسة منحاً إلى نحو 592 طالباً وطالبة جامعيين يدرسون في مختلف التخصصات العلمية، وشملت أكثر من 20 دولة عربية وأجنبية، وخصص أكثر من خمسة ملايين درهم لتغطية كلفة برنامج التعليم الجامعي.
10 ملايين درهم سنوياً لصيانة مساكن المواطنين
من الأولويات التي تحرص عليها مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، تنفيذ برنامج صيانة مساكن المواطنين في إمارات الدولة المختلفة، وقد سلمت مؤخراً عدداً من المنازل في الفجيرة ورأس الخيمة وعجمان وأم القيوين، ويكلف برنامج الصيانة عشرة ملايين درهم سنوياً، و هو مخصص لذوي الدخل المحدود وفق معايير وأولويات يتم من خلالها اختيار المساكن الأكثر تضرراً والأشد حاجة للصيانة، خاصة منازل الأرامل والأيتام وكبار السن والشرائح الضعيفة من المواطنين.
وقد كُلفت لجنة لمتابعة هذا البرنامج منذ سنتين، برئاسة عتيق المهيري مدير البرامج الثابتة في المؤسسة، ويشمل برنامج صيانة عشرات المساكن التي يقطنها المواطنون في إمارات الدولة، إذ تتعاقد مؤسسة زايد مع مقاولين متخصصين لتنفيذ أعمال الصيانة في المنازل التي يقع عليها الاختيار، لإنجاز العمل فيها من أجل المحافظة على حياة كريمة لشريحة واسعة من المواطنين تعيش في هذه البيوت.
«إفطار الصائم».. موائد تسع أكثر من 60 ألفاً
في شهر رمضان المبارك تكثر أعمال الخير، ويزداد المسلمون تقرباً من بعضهم البعض، مستندين على حب الخير ومساعدة الآخرين، لإدخال السرور إلى قلوب فقراء المسلمين ورسم البسمة على وجوه أطفالهم، وكبار السن والأرامل ومن سواهم من المحتاجين، إيماناً بعظمة هذا الشهر الفضيل وفضله على الجميع. من هنا يأتي مشروع «إفطار الصائم» في مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، من أجل مساعدة الفقراء في توفير حاجيات رمضان الضرورية، وإحياء روح التكافل بينهم، في فرش الموائد الممتدة لآلاف الصائمين.
وقد أرست المؤسسة منذ انطلاقتها، هذا العمل الاجتماعي، وجعلت منه واحداً من أهم أعمالها الخيرية، وهي أيضاً تواصل تقديم المساعدات والمعونات إلى المحتاجين والفقراء في كافة أنحاء الدولة، وفي شهر رمضان يزداد هذا النهج نشاطاً، إذ تنشر المؤسسة موائد إفطار تتسع لأكثر من 60 ألف صائم، صدقةً عن روح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.
وقبيل اليوم الأول من رمضان، تكون المؤسسة قد انتهت من كافة تجهيزاتها، وشيدت الخيام الرمضانية بالقرب من المساجد التي تحمل اسم المغفور له في إمارات الدولة، وطيلة أيام الشهر توزع الوجبات الجاهزة للإفطار الجماعي، على كافة الخيم الرمضانية والتي يحضرها عشرات الآلاف من الفقراء والعمال الآسيوين العاملين في الدولة.
وفي هذا الصدد، يقول أحمد شبيب الظاهري مدير عام المؤسسة، إن مشروع إفطار الصائم هو ثمرة من ثمار أعمال المؤسسة، ويوليه الشيخ نهيان بن زايد آل نهيان رئيس مجلس الأمناء كل رعاية واهتمام، باعتبار شهر رمضان شهر الخير والعطاء، وثمة الكثير من الأسر المتعففة والفقراء من المسلمين يحتاجون العون والمساعدة، لذلك توفر المؤسسة إلى جانب موائد الإفطار، مشروع زكاة الفطر، الذي يستفيد منه عدد كبير من المسلمين. ويضيف: نهيب بكافة المقتدرين ورجال الأعمال والخيرين من أهل الإحسان والعطاء، أن يكثروا من عطائهم في هذا الشهر.
وأن يضاعفوا من أعمالهم الطيبة، فالله سبحانه وتعالى يتقبل الصدقة ويعكسها على صاحبها بالأمن والاطمئنان وراحة البال، وقد قيل عن الصدقة الكثير، قيل إنها تطفئ غضب الله سبحانه وتعالى كما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار»، و«اتقوا النار ولو بشق تمرة»، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، رجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.
