الوحدة بين مصر والشام لم تكن وليدة التاريخ المعاصر، بل إن عصور الإسلام الماضية تشهد على بطولات سطّرها المصريون والشاميون ودفعوا من خلالها الغزاة عن بلدهم كأنهم جسد واحد لا يهنأ بالحياة إذا كان بعضه متألماً أو جريحاً، وهذا ما مثلته معركة مرج صفّر في عهد المماليك، الذين كوّنوا وحدة تاريخية بين مصر والشام وقفت حاجزاً منيعاً أمام أي أطماع كانت تتهددها، حتى صارت هاتان القوتان مهيبتين في عيون أعدائهما.

كانت معركة شقحب أو مرج صفّر استمراراً للمواجهات التي نشبت بين العالم الإسلامي والمغول، الذين سيطروا على البلاد وعاثوا فيها فساداً وتدميراً. فقد عزم التتار على دخول بلاد الشام سنة 702هـ وجهزوا لذلك جيشاً عظيماً، وكان ذلك في عهد الخليفة المستكفي بالله، والسلطان الناصر محمد بن قلاوون في مصر، حيث كانت بلاد الشام ومصر متحدة تحت راية المماليك.

خروج جند مصر

قال ابن كثير: »في العاشر من شعبان ضربت البشائر بقلعة دمشق وعلى أبواب الأمراء بخروج السلطان من مصر لمناجزة التتار، وفي الثامن عشر من شعبان قدمت طائفة كبيرة من جيش المصريين، فيهم كبار الأمراء من أمثال ركن الدين بيبرس«.

اطمأن الشاميون بخروج إخوانهم من مصر لنصرتهم، في الوقت الذي كان التتار فيه قد وصلوا حمص وبعلبك وألحقوا بهما خراباً ودماراً شديدين، ما نشر الذعر في قلوب أهل الشام، وشرع أصحاب الطابور الخامس في تثبيط عزائم الناس، متبعين في ذلك سنن السابقين في قولهم (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده).

دور شيخ الإسلام

في تلك الأجواء برز دور شيخ الإسلام ابن تيمية في التصدي لهؤلاء المرجفين. قال الدكتور لطفي الصباغ: »كان لشيخ الإسلام ابن تيمية أعظم التأثير في ذلك الموقف؛ فقد عمل على تهدئة النفوس، حتَّى كان الاستقرار الداخلي عند الناس والشعور بالأمن ورباطة الجأش. ثم عمل على إلهاب عواطف الأمة وإذكاء حماستها وتهيئتها لخوض معركة الخلاص.. ثمّ توجَّه ابن تيمية بعد ذلك إلى العسكر الواصل من حماة فاجتمع بهم في القطيفة، فأعلمهم بما تحالف عليه الأمراء والناس من لقاء العدو«.

وخرجت العساكر الشامية إلى ناحية قرية الكسْوة. ووصل التتار إلى قارَة (بلدة قرب دمشق)، وتابعوا طريقهم من الشمال إلى الجنوب ولم يدخلوا دمشق، بل عرجوا إلى ناحية تجمُّع العساكر.

في الثاني من رمضان اجتمع الجيشان في سهل شَقْحَب الذي يشرف على جبل غباغِب. وكان السلطان الناصر في القلب، ومعه القضاة والأمراء. وقبل بدء القتال اتُّخِذَت الاحتياطات اللازمة، فمرّ السلطان والقرَّاء بين صفوف جيشه، يقصد تشجيعهم على القتال وبثِّ روح الحماسة فيهم. وكانوا يقرؤون آيات القرآن التي تحضُّ على الجهاد والاستشهاد، وكان الخليفة يقول: دافعوا عن دينكم وعن حريمكم.

نصر مؤزر

عندما حمي وطيس المعركة كانت الغلبة بداية للمغول، فقد ألحقوا بالمسلمين خسارة ضخمة قتل فيها العديد من الأمراء، ولكن تحول الحال بعد ذلك وانقلبت الكفة لصالح المسلمين.

قال ابن كثير: »فلما جاء الليل لجأ التتار إلى اقتحام التلول والجبال والآكام، فأحاط بهم المسلمون يحرسونهم من الهرب ويرمونهم عن قوس واحدة إلى وقت الفجر، فقتلوا منهم ما لا يعلم عدده إلاَّ الله«.

ووصل التتار إلى الفرات وهو في قوة زيادته فلم يقدروا على العبور، والذي عبر فيه هلك، فساروا على جانبه إلى بغداد، فانقطع أكثرهم على شاطئ الفرات وأخذ العرب منهم جماعة كثيرة، وفي يوم الاثنين رابع رمضان رجع الناس إلى دمشق فبشَّروا الناس بالنصر، وفيه دخل شيخ الإسلام ابن تيمية البلد ومعه أصحابه من المجاهدين، ففرح الناس به، ثم دخل السلطان إلى دمشق وبين يديه الخليفة، وزُيِّنَتِ البلد، وبقِيا في دمشق إلى شوّال إذ عادا بعدها إلى الديار المصرية، وكان فرح السلطان الناصر محمد بن قلاوون والمسلمين بهذه المعركة فرحاً كبيراً، ودخل مصر دخول الظافر المنتصر واستُقبل استقبال الفاتحين.

 

ثبات المسلمين

 

قال الدكتور لطفي الصباغ: ثبت المسلمون أمام المغول، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وتغيَّر وجه المعركة وأصبحت الغلبة للمسلمين، حتى أقبل الليل فتوقّف القتال إلا قليلاً، وطلع المغول إلى أعلى جبل غباغِب، وبقوا هناك طول الليل، ولما طلع النهار نزلوا يبغون الفرار بعد أن ترك لهم المسلمون ثغرة في الميسرة ليمرّوا منها، وقد تتّبعهم الجنود المسلمون وقتلوا منهم عدداً كبيراً، كما أنهم مرّوا بأرض موحِلة، وهلك كثيرون منهم فيها، وقُبض على بعضهم.