حينما يتجاوز الوقت منتصف النهار من يوم رمضاني تكون كثير من ربات البيوت في منطقة جازان جنوبي السعودية قد أوقدن الحطب في التنور أو الميفا ذلك الوعاء الفخاري الذي يصنع بطريقة تقليدية ويباع في الأسواق الشعبية بالمنطقة، ولا يكاد يخلو بيت جازاني منه إذ ارتبط معه إنسان المنطقة بخصوصية غدت رمزاً لتراث المنطقة العريق.
ففي الشهر المبارك يحرص الأهالي في المدينة على إعداد المأكولات ووجبات الإفطار في الميفا، وخاصة شوربة البرمة الرمضانية التي تطهى في وعاء حجري مجوف يعرف باسم البرمة وتوضع بداخلها قطع اللحم مع الشوربة، وتوضع بعد ذلك في الميفا حتى تطهى تماماً وتصبح ذات نكهة متميزة تختلف عن الشوربة العادية. ولكن قبل خمسين عاماً مضت لم تكن نسوة جازان الواقعة على الحدود مع اليمن يعتقدن بأن "الميفا" أو التنور سيرافق مسيرة الحضارة العمرانية، فبعد أن كان الطين أساساً لبنائه، بات "السيراميك" اليوم يغلفه من الخارج في شكل هندسي لاقى قبولاً لدى الكثير من سيدات منازل الجيل الراهن.
وظل "الميفا" على مدى سنوات في شكله الطيني المعروف ركناً أساسياً في المنزل الجازاني رغم التقدم في تحضير الوجبات والأكلات، فلا يكاد منزل يخلو في جازان إلا وتجد به هذا الميفا الذي يشكل ضرورة لتحضير الأكلات الشعبية كالخمير والمغشات والحواسي، إضافة إلى الأسماك والإيدامات.
ويتم عن طريق الميفا إعداد المغش وهو وعاء حجري توضع بداخله قطع اللحم مع الخضراوات، كما يتم عبر الميفا إعداد العيش أو الخمير الذي يتكون من الحب الذرة التي يتم طحنها بعناية عبر المطحنة التقليدية ومن ثم إعدادها ليتم خبزها، فضلاً عن خبز الدخن وإعداد السمك ولحم الحنيذ وكثير من الأكلات الشعبية.
ورغم تطور أنماط الحياة بجازان وما شهدته من تطور عمراني وحياة مدنية استحدث فيها وسائل الطهي ظل الميفا محتفظاً بمكانته في البيوت الجازانية، وحافظت كثير من الأسر على علاقتها به، خاصة في شهر رمضان المبارك كون شوربة الميفا والمغش الطبق الرئيسي على مائدة الإفطار الجازانية.
