"الماء" في القرآن.. بحور المعاني والدلالات

ت + ت - الحجم الطبيعي

 هو الماء.. نواة وجود الكائنات ومصدر إمداد البشرية بالبقاء، من أعظم النعم التي قد لا يبالي الناس بها لإلفهم لها واعتيادهم عليها، إن وجد وجدت الحياة، وإن فقد فلا تغني عنه كنوز الكون لو حضرت بين يدي فاقده.

ذكره الله تعالى في كتابه العزيز بلفظ الماء ثلاثاً وستين مرة، وبلفظ الغيث والمطر والوابل. وقد جاء لفظ الماء في القرآن لمعنيين ذكرهما صاحب كتاب الوجوه والنظائر (418) فقال: «الماء يعني المطر، كقوله تعالى (فأنزلنا من السماء ماء)، والوجه الثاني الماء بمعنى النطفة كقوله تعالى (وهو الذي خلق من الماء بشرا) الفرقان: 54.

من جند الله

من عظمة قدرة الله تعالى أنه ينجي ويهلك بالسبب الواحد وفي آن واحد، فقد نجّا الله نوحاً في السفينة على الماء وأهلك به قومه، ونجّا الله موسى بالماء وأهلك به فرعون، وأنزل الله الماء على رسولنا صلى الله عليه وسلم فكان ثباتاً لأقدام المؤمنين في معركة بدر، ووحلاً وطيناً على مشركي قريش في مقابلهم، (ولله جنود السموات والأرض).

والبيان القرآني يخصص المطر بالعذاب، وأما مطر الرحمة فلا يذكر إلا بلفظ الماء، قال تعالى (ولا جناح عليكم إن كان بكم اذى من مطر) فعبر بالمطر لأنه أذى. وأما الرحمة فكقوله تعالى (أنزل من السماء ماء) وهي آيات كثيرة متعددة.

قال السيوطي في كتاب الإتقان: »وفي صحيح البخاري عن سفيان بن عيينة قال: ما سمى الله المطر في القرآن إلا عذاباً، وتسميه العرب غيثاً«. فالغيث ذكره الله تعالى في كتابه في ثلاثة مواضع: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) لقمان: 34. (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته) الشورى: 28. (كمثلِ غيثٍ أَعجبَ الكفارَ نباتُه) الحديد: 20.

جاء في التحرير والتنوير: »الغيث: المطر الآتي بعد الجفاف، سمي غيثاً بالمصدر لأن به غيث الناس المضطرين«.

وأما الوابل فهو المطر الشديد، قال الفيروزآبادي في كتاب بصائر ذوي التمييز 5/153: »الوابل: المطر الشديد القطر، وبَلَتِ السماء تَبِلُ : أتت بالوَبْل، قال تعالى: (فإن لم يصبها وابل فطل)، ولمراعاة الثقل قيل لكل شدة ومخافة وبال، قال تعالى (فذاقت وبال أمرها).

الدنيا والماء

ويضرب الله مثل الحياة الدنيا فيقول (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) يونس: 24

وهذا النوع من التشبيه هو ما وسمه أهل البلاغة باسم التشبيه التمثيلي الذي يكون فيه المشبه به صورة منتزعة من متعدد.

قال الشوكاني في فيض القدير: «المعنى أن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف بوصف يضاد ما كانت عليه مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه وذهاب بهجته بعد أن كان غضاً مخضراً طرياً قد تعانقت أغصانه المتمايلة وزهت أوراقه المتصافحة.. وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله (كماء أنزلناه من السماء) بل ما يفهم من الكلام.

ومن لطائف التفسير ما قاله القرطبي رحمه الله: »وقالت الحكماء: إنما شبّه تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع، كذلك الدنيا لا تبقى على حال واحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة، كذلك الدنيا، ولأن الماء لا يبقى ويذهب، كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يَدخله ولا يبتل، كذلك الدنيا لا يسلم أحد دخلها من فتنتها وآفتها، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعاً منبتاً، وإذا جاوز المقدار كان ضاراً مهلكاً، وكذلك الدنيا، الكفافُ منها ينفع وفضولها يضر«.

وما هو ببالغه

وأما من يدعو من دون الله شركاء لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فقد ضرب الله مثلاً له فقال (والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه) الرعد: 14.

فهو في حال العطش يقوم بفعل يظن أنه يبلغه الماء ولكن السبب الحقيقي هو غافل عنه، فهو يمد يده إلى الماء ويجعلهما مبسوطتين لا يستقر الماء عليهما، ثم يبتغي أن يصل الماء إلى فمه وينتفع منه. قال الزمخشري في الكشاف: » شبهوا في قلة جدوى دعائهم لآلهتهم بمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه، فبسطهما ناشراً أصابعه، فلم تلق كفاه منه شيئاً ولم يبلغ طلبته من شربه".

طباعة Email