استعمل الصراط في البيان القرآني مجازاً أكثر منه حقيقة، فقد وردت كلمة الصراط في كتاب الله تعالى في خمسة وأربعين موضعاً كلها بمعنى الدِّين أو الملة، ما عدا موضعين فإنها وردت بالمعنى الحقيقي وهو الطريق.
جاء في كتاب الوجوه والنظائر لأبي هلال العسكري: «وهو - أي الصراط - على وجهين: الأول الطريق، قال تعالى (ولا تقعدوا بكل صراط) الأعراف: 86، ومثله (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) الصافات: 23، والثاني: الدين قال تعالى (اهدنا الصراط المستقيم) الفاتحة: 6 يعني الدين المستقيم، فجعله صراطاً على التمثيل، ومثله (وهذا صراط ربك مستقيماً) الأنعام: 126».
الصراط والطريق والسبيل ألفاظ متقاربة في المعنى العام، بيد أن كلاً منها يحتوي على معنى زائد وفائدة تميزه عن مثيليه.
فالصراط هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، لذلك أضيف الصراط إلى الحق سبحانه وتعالى في مثل قوله (لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد) إبراهيم: 2.
جاء في اللسان: «سرط الطعام والشيء بلعه، وانسرط الشيء في حلقه: سار فيه سيراً سهلاً.. السراط: السبيل الواضح، والصراط لغة في السراط، وإنما قيل للطريق الواضح سراط، لأنه كأنه يبتلع المارّة فيه».
والصراط له عدة سمات ذكرها صاحب بدائع الفوائد بقوله: «والصراط ما جمع خمسة أوصاف: أن يكون طريقاً مستقيماً، سهلاً، مسلوكاً، واسعاً، موصلاً إلى المقصود، فلا تسمي العرب الطريق المعوج صراطاً، ولا الصعب المشق، ولا المسدود غير الموصل، ومن تأمل موارد الصراط في لسانهم واستعمالهم تبين له ذلك». والطريق مأخوذ من السبيل التي تطرق بالأرجل، ثم استعير لكل مسلك يسلكه الإنسان، وهو لا يقتضي السهولة، وأما السبيل فإنه يقتضي السهولة، لذلك فإنه وقع بضعاً وخمسين مرة في القرآن مراداً به سبيل الله الذي يفضي إلى الخير.
فالطريق في القرآن هو طريق جهنم (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً) النساء: 168-169.
ولم يرد الطريق مراداً به الصراط المستقيم إلا في سورة الأحقاف، عند ذكر الجن الذين استمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن، فإنه عبّر عن سبيل الله بالطريق في هذا الموضع فقط.
قال ابن القيم في بدائع الفوائد (417): «وأما ذكره له بلفظ الطريق في سورة الأحقاف خاصة، فهذا حكاية الله تعالى لكلام مؤمني الجن أنهم قالوا لقومهم: (إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) الأحقاف: 30 وتعبيرهم عنه ههنا بالطريق فيه نكتة بديعة، وهي أنهم قدموا قبله ذكر موسى، وأن الكتاب الذي سمعوه مصدق لما بين يديه من كتاب موسى وغيره، فكان كالنبأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه (ما كنت بدعاً من الرسل) الأحقاف: 9 أي: لم أكن أول رسول بعث إلى أهل الأرض، بل قد تقدمت قبلي رسل من الله إلى الأمم، وإنما بعثت مصدقاً لهم بمثل ما بعثوا به من التوحيد والإيمان، فقال مؤمنو الجن (إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم) أي: إلى سبيل مطروق قد مرت عليه الرسل قبله..
فاقتضت البلاغة والإعجاز لفظ «الطريق» وهو «فعيل» بمعنى «مفعول»، أي: مطروق مَشَتْ عليه الرسل والأنبياء قبل، فحقيق على من صدق رسل الله وآمن لهم أن يؤمن به ويصدقه، فذكْر الطريق ههنا إذاً أولى».
المحسوسات للمعاني
تميزت لغة العرب في استعمالاتها بأنها تضع للمعاني من الألفاظ ما هو للمحسوسات، ولذلك فوائد، منها التصوير، ومن ذلك مثلاً الفعل عفا، فإنه شاع استعماله في الغفران عن الذنب، وهو مأخوذ من قولهم: عفا الأثر، بمعنى الإزالة، إذ كانوا في الصحراء يسيرون فتظهر آثار أقدامهم على الرمال، ثم تأتي الرياح فتذهب آثار المسير، لذا فإن العفو يشتمل على صورة تتمثل في إزالة آثار الذنب كما تزيل الرياح آثار المسير.
كما أن هذا الأسلوب، يعطي الحكم ومعه دليله، وهذا من البراعة التي تميز العربية، كتعبيرهم عن النجاح بالفلاح، فالفلْح هو شق الأرض للزراعة، وعندما تشق الأرض ويبذر فيها البذر تأتي بالنتيجة المرجوة وهي الثمر، فعندما يذكر الفلاح فإن دليله يأتي معه، فكأنه يقال: النجاح لا بد له من مقدمات تسبقه وجهود تبذل حتى يأتي بالنتيجة، كالأرض لا تأتي بالثمار إلا بالفلح.
