اللسان هو آلة بذل المعارف، ومرآة معرفة الفضائل، كم من جميل الوجه قبّحه لسانه، وكم من دميم الخلقة رفعه لسانه. مضغة صغيرة في الحجم كبيرة في الأثر، هو مصنع البيان، يرفع الله به أقواماً ويضع آخرين، من حفظه سلم، ومن استثمره في الخير غنم.

ولعظم شأنه عبر به القرآن الكريم عن معانٍ عدة، فهو اللغة وهو الثناء الجميل وهو الدعاء. وقد ذُكر اللسان في القرآن على اختلاف الصيغ في خمسة وعشرين موضعاً.

إنه قطعة لحم خلقها الله للإنسان، والعجيب أنه آلة التذوق يَخْبُر به المرء جيد الطعام والشراب من رديئه، وفي الوقت نفسه هو آلة الذوق الرفيع يكتسب به تقدير الآخرين أو احتقارهم.

بل إن ديننا شدد على أهمية اللسان، فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذا فقال: احفظ عليك هذا، وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أوَ إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ (الترمذي: 2616). وهو من جملة الأعضاء التي تشهد على الإنسان يوم القيامة بما عمل «يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون» النور: 24. وهذه الآية ذكرت في مآل من يرمي المحصنات المؤمنات زوراً وبهتاناً.

قال في التحرير والتنوير 18/191: «وتخصيص هذه الأعضاء بالذكر لأن لها عملاً في رمي المحصنات، فهم ينطقون بالقذف ويشيرون بالأيدي إلى المقذوفات، ويسعون بأرجلهم إلى مجالس الناس لإبلاغ القذف». استُعمل اللسان في الكتاب العزيز استعمالات بلاغية متعددة يعاين المتأمل لها أسرار القرآن في بيانه المعجز، الذي وقف أمامه فصحاء العرب وبلغاؤهم في حيرة وذهول.

من ذلك قوله تعالى، وهو يخبر في سورة النور عن أولئك الذين يتلقفون خبر السوء فيلوكونه بألسنتهم ويتحدثون به دون بينة من الأمر، «إذ تَلَقَّوْنَهُ بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيِّناً وهو عند الله عظيم» النور: 15.

انظر كيف عبر عن الخبر الذي يسمع ثم ينشر بالألسنة بالتلقي، والتلقي يكون بالأيدي للمحسوسات. قال في التحرير والتنوير 18/177: «يطلق التلقي على أخذ شيء باليد من يد الغير كما قال الشماخ:

إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجدٍ

                تلقّاها عُرابة باليمينِ

فجعلت الألسن آلة للتلقي على طريقة تخييلية بتشبيه الألسن بالأيدي».

ما أروعها من صورة يتخيل من خلالها السامع وكأن اللسان خرج من مخبئه وانقض على الخبر انقضاضاً ليذيعه بين الخلق بالإفساد والتشهير. اللسان كان السبب في وصول نعمة النبوة إلى نبي الله هارون، فإن موسى عليه السلام دعا ربه أن يكون هارون له وزيراً يؤازره لسبب متعلق باللسان، ألا وهو الفصاحة، قال تعالى: «وأخي هارونُ هو أفصحُ مني لساناً فأرسِلْهُ معي رِدْئاً يصدِّقُني» القصص: 34.

والملحظ أن القرآن عبر عن البيان باللسان دون غيره من الأعضاء التي لها علاقة بالنطق، إلا في آية واحدة وهي قوله تعالى (ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين) البلد: 8-9، قال في التحرير والتنوير 30/354: «وذكر الشفتين مع اللسان لأن الإبانة تحصل بهما فلا ينطق اللسان بدون الشفتين ولا تنطق الشفتان بدون اللسان، ومن دقائق القرآن أنه لم يقتصر على اللسان ولا على الشفتين خلاف عادة كلام العرب، أن يقتصروا عليه، فيقولون: ينطق بلسان فصيح، ويقولون: لم ينطق ببنت شفة؛ لأن المقام مقام استدلال فجيء بما له مزيد تصوير لخلق آلة النطق».

واللسان هو الثناء الحسن، وهبه الله لأصفيائه من المرسلين، (ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق علياً) مريم: 50، لأن الثناء يكون باللسان، ومن هذا الثناء أننا نذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالتوقير والتبجيل ونتخذهم قدوة حسنة.

ولعل هذا يذكّرنا بدعاء إبراهيم عليه السلام (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) الشعراء: 84، لم يدع، عليه السلام، أن يكون له مطلق الذكر، ولكنه قيده بلسان الصدق، فهو لا يبتغي الثناء إلا بالصدق، وفي هذا ملحظ لمن يطلب المدح أياً كان بحق أو بباطل.

لسان عربي

اللسان هو اللغة، وقد عبر القرآن عن اللغة باللسان في كل المواضع، كقوله تعالى (بلسان عربي مبين) الشعراء: 195. أعظِمْ به شرفاً لأمة العرب، أن نزل بلسانهم كلام رب العالمين، فحري بهم أن يولوا هذه النعمة قدرها، ويحافظوا عليها، لأن عزهم من عزها وشرفهم من شرفها.

فاللسان منجاة مهلكة، فرب كلمة أنجت صاحبها من هلاك محتم، ورب كلمة أوردت صاحبها الموارد، وقد قيل من قبل: «مقْتَلُ الرَّجُلِ بِيْنَ فكَّيِه». وقالوا: «لسان العاقل من وراء قلبه، فإذا أراد الكلام تفكر، فإن كان له قال، وإن كان عليه سكت، وقلب الجاهل من وراء لسانه، يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه».