في معرض الرد على عناد الكافرين والملحدين يتكرر التذكير بآيات الله وتتكرر الدعوة إلى التفكر والتدبر حتى يثوب الإنسان إلى مولاه ويرجع إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها ((صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ)) سورة البقرة (138)، ويقول الباري جل في علاه متحدثاً عن آياته في الكون: ((وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ* فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ* يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ* إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) سورة النور(45).
من هذه المخلوقات الدالة على عجيب صنع الله تعالى وكمال قدرته: (الحية)، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، في قصة سيدنا موسى عليه السلام، في عدة مواطن، منها ما جاء في سورة طه حين أراه إياها كآية من آياته، والتي سيكون لها شأن في إثبات نبوته عليه السلام، فأمره الله تعالى أن يلقي عصاه فتحولت العصا إلى حية، قال تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى* قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى* قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى* فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى* قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) سورة طه (17-21).
هذا الموقف الأول لما عاد سيدنا موسى إلى مصر بعد أن خرج منها وفي طريق العودة أبصر ناراً فأراد أن يستأنس ويقترب منها فناداه الله، وأوحى إليه بالنبوة، وأراه آية عظيمة، حيث أمره بأن يلقي عصاه فإذا هي تتحول إلى حية حقيقية تهتز وتتحرك وتسعى فخاف منها، فأمره الله ألا يخاف، وما كان خوفه إلا بمقتضى البشرية.
وقال تعالى في سورة الأعراف: ((وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)) سورة الأعراف (104-109)، وقال تعالى في سورة الشعراء: ((فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ)) (32).
وقد برع المصريون في السحر، فأعطى الله موسى عليه السلام معجزة من جنس ما برع فيه المصريون لتكون ألزم للحجة، ولكن ما أعطي موسى لم يكن تخييلاً ولكنه قلب حقيقي، لا يقدر عليه إنسان أو جان مهما برع، ولذلك أذعنت له السحرة لما رأوا ذلك، فكان إيمان أهل الخبرة من السحرة به أعظم شاهد على صدق نبوته عليه السلام، ولم يبق لفرعون إلا الاستكبار والعناد.
كان ذلك في الموقف الثالث، عندما جمع فرعون السحرة وألقوا الحبال والعصي وسحروا أعين الناس وخيل للناس ولموسى أن هذه الحبال تتحرك وتسعى، وألقى موسى عصاه قال تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ* فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ)) سورة الأعراف (117).
يقول المفسرون فلما ألقى موسى عصاه انقلبت حية وراحت تبتلع كل الحبال والعصي التي هي في أعين الناس ثعابين، وعندما أيقن السحرة أن ما جاء به موسى حق وليس بسحر سجدوا لله أمام هذه المعجزة، ويعلق الشيخ محمد النبهان الحلبي رحمه الله على عبارة ((تلقف ما يأفكون)) فيقول: لقفت الإفك الذي خيل للناس أن الحبال والعصي ثعابين وحيات، وهذا الخيال لا حقيقة له بمعنى لقفت ما كان يخيل إليهم فعادت الحبال حبالاً والعصي عصياً، ويؤيد هذا المعنى القرآن الكريم حيث يقول: ((فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)) سورة الأعراف (118).
أسماء الحية
يطلق اسم الحية على الذكر والأنثى، كما أن للحية أسماء متعددة منها العين والصم والأزعر والأبتر والغاشر والأرقم والأصلة والجان والثعبان والشجاع والأزب والأفعى والأفعوان والأرقش والأرقط والصل وذو الطفيتين والعربد، وقد ذكرت الحية في القرآن بهذا الاسم، وذكرت باسم الثعبان، وهو الحية الكبيرة..
وذكرت باسم الجان، وهي الحية الصغيرة سريعة الحركة، شبهت بالجن في خفته وسرعة حركته، كل ذلك في قصة موسى عليه السلام، حيث كانت حية عظيمة عجيبة، جمعت صفة الثعبان في الحجم، وصفة الجان في خفة الحركة، وذلك على خلاف العادة، يقول تعالى: (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ) سورة النمل ( 10 ). وقال تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ).
