قال الله سبحانه وتعالى «كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا» «آل عمران: 37» وهو البيت ومحل عبادة السيدة مريم. وقد ورد لفظ المحراب أكثر من مرة، إذ قال الله سبحانه وتعالى في سورة مريم «فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا» «مريم: 11» وهو مصلى نبي الله زكريا. وفي آية أخرى قال الله في كتابه «وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ «ص: 21» أي صدر البيت ومحل عبادة نبي الله داوود.
المواضع والآيات كثيرة التي تناولت كلمة «المحراب» في سياقها، ومنها كذلك «فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ » «آل عمران: 39». فيه نبي الله زكريا، وهي آية قرآنية نجدها مكتوبة داخل المساجد. واما مصطلح المحراب اليوم في مساجدنا، فهو مقام الامام من المسجد ومكان الصلاة، وانفراد الإمام فيه ويقع في صدر المسجد.
وقد أطلق عليه محراباً لحكمتين، الأولى؛ لأنه المكان الأفضل الذي يقف فيه المصلي للصلاة لأنه ينادي ربه سبحانه، أما الثانية، لأن له علاقة بالحرب وهو ميدان المعركة، فالمصلي حينما يقف في الصلاة فهو يحارب الشيطان الذي يريد أن يبعده عن الصلاة، فهو معه في معركة وبصلاته وبثباته في هذا المكان قد انتصر عليه. ومجمل الكلام ان المحراب هو ميدان لمحاربة الشيطان ومحاربة اولياء الشيطان، فالمؤمن تقوم حياته على حرب وجهاد فإذا كان هناك ميدان للمواجهة الفعلية بالسيوف في ميدان المعركة كذا المؤمن له مكان وميدان يقف فيه 5 مرات على اقل تقدير في محاربة الشيطان فهو محارب من الطراز الأول.
ويعد اول من احدث المحراب على هيئة تجويف في المسجد النبوي، هو سيدنا عمر بن عبد العزيز 88-91هـ. وقد دعا نبي الله زكريا الله تعالى بعد ما كبر سنه، واشتعل رأسه شيباً، خاف من اقاربه وعشيرته ان يضيعوا الدين بعد موته، وان يتصرفوا في الناس تصرفا سيئا، ولا يحسنوا وراثة النبوة والعلم فطلب من الله تعالى ان يهبه من يرثه من بعده ليقوم بأداء الرسالة، فقال «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يرثني» «مريم: 6».
ولم يرد الوراثة في المال، لأن النبي اجل قدراً من ان يشفق على ماله، بل اراد ميراث النبوة، فجاءته البشارة عن طريق الملائكة وهو يصلي في محرابه ومكان عبادته «فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ» «آل عمران: 39». وكانت امرأته عقيماً لا تلد فجاء جوابه سروراً وتعجباً عن طريق الاستفهام «قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا» «مريم: 8»، فردت عليه الملائكة بأن هذا سهل يسير على الله «قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا» «مريم: 9»، يعني القادر على الخلق من العدم لا يعجزه أن يخلق ولداً من شيخين كبيرين.
أما محراب مريم العذراء فإن أمها نذرت ما في بطنها ليكون في بيت المقدس وكانت تتمنى ان يكون الحمل ذكرا ولكن كان الأمر انثى على عكس ما تمنت فوفت بنذرها وكان نبي الله زكريا كفل مريم فجعل لها محراباً لا يرتقي اليه الا بسلم ولا يدخل عليها الا زكريا حتى كبرت، فرعاية زكريا انما جاءت بأمر من الله تعالى وكان اختيار الله لكفالة مريم بقرعة، وهي انهم القوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة في البحر فمن طفا قلمه لم يظفر بالقرعة ومن غرق قلمه هو الذي يفوز فكان الفائز هو سيدنا زكريا.
فتقبلها ربها وانبتها نباتاً حسناً وجعل شكلها مليحاً وكان سيدنا زكريا يتعهدها، ويدخل عليها في غرفة عبادتها فيرى ما يدل على تكريم الله تعالى لها، «كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً» «آل عمران: 37». قال المفسرون يجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء وفي الشتاء فاكهة الصيف فحينما يسألها عن هذه الفاكهة، تجيبه «هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ» «آل عمران: 37». ويؤخذ من هذا السؤال أن كل ولي أمر، عليه أن يسأل من هو تحت ولايته إذا رأى شيئاً.
