قال سبحانه وتعالى، «والسماء ذات البروج»، بمعنى السماء ذات النجوم الزاهرة التي تضيء لأهل الأرض، والبروج هي المنازل في السماء التي تنتقل فيها الكواكب اثناء دورانها، وشبهت بالبروج، وهي القصور الشامخة من حيث الضخامة والعظم، فإن مدارات هذه الافلاك من الضخامة والكبر يعجز عن تصورها البشر.

وهي مدارات كل نجم يسير في مداره لا يتعداه في جريانه، وهي تدل على عظمة خالقها ومبدعها، حيث قدر علماء الفلك المسافات بين بعض النجوم والبعض الآخر بآلاف السنين الضوئية والضوء يسير في الثانية (300000) الف كم.

يوم الحشر

والسورة ابتدأت أول القسم بالسماء ذات النجوم العديدة الهائلة، ومداراتها الضخمة، أما القسم الثاني «واليوم الموعود» أي باليوم العظيم وهو يوم الحشر، والقسم الثالث «وشاهد ومشهود» والشاهد هم الأنبياء والرسل الذين يشهدون على اممهم والمشهود هم البشر والخلائق الذين يجتمعون في ارض المحشر للحساب هم المشهود عليهم، كل نبي يشهد على امته انه بلغهم الرسالة.

وهذا الرأي الراجح في تفسير الشاهد والمشهود. أما المقسم عليه هم المذكورون في قوله تعالى «قتل أصحاب الأخدود* النار ذات الوقود* إذ هم عليها قعود* وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود» كان القسم على هلاك اصحاب الاخدود الذين اذاقوا المؤمنين العذاب ليفتنوهم عن الايمان.

وخلاصة القصة؛ أن ملكا جباراً ادعى الربوبية، وكان له ساحر فلما كبر، طلب من الملك ان يأتيه بغلام شاب ليعلمه السحر حتى لا يذهب ملكه، فبعث له غلاما وكان هذا الغلام يمر في طريقه على رجل عابد زاهد فتعلق قلب الغلام به، فاسلم على يديه، ووصل الصلاح بالغلام الى درجة عظيمة، حتى صار مستجاب الدعوة لا يأتيه مريض فيدعو الله له الا شافاه الله، وصار من شدة صلاحه يبرئ الأعمى والابرص ويداوي الناس من سائر الأمراض.

الغلام المؤمن

وكان للملك وزيرا أعمى سمع بأمر هذا الغلام، فاتاه بهدايا ثمينة، وقال له هذه كلها لك انت إن شفيتني، قال الغلام اني لا اشفي احدا، انما يشفي الله رب العالمين فإن انت آمنت بالله ربي دعوت الله لك، فآمن الوزير ودعا له الغلام، فشفاه الله واصبح بصيراً، جاء الوزير الى الملك وعيناه تبصران فتعجب الملك منه وقال له من رد عليك بصرك؟ قال ربي قال وهل لك رب غيري؟ قال له انت عبد مثلي ضعيف وربي وربك هو الله فأخذه الملك فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام.

جيء بالغلام وقال له الملك قد بلغ من سحرك انك تبرئ الأعمى والأبرص؟ قال له الغلام انا لا اشفي احدا انما يشفي الله رب العالمين، أخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على العابد، فجيء بالعابد وقيل له ارجع عن دينك لكنه أبى، أمر الملك به فنشر بالمنشار حتى صار شقتين ثم جيء بالوزير وطلب منه ان يرجع عن دينه فأبى، شق ايضا بالمنشار حتى صار شقتين ثم اوتي بالغلام وطلب منه ان يرجع عن دينه لكنه أبى فأمر الملك ان يصعدوا به الى رأس جبل عالٍ ويلقوه منه ان لم يرجع.

غرق السفينة

لما صعدوا به الجبل قال الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت فتزلزل بهم الجبل، ماتوا وجاء الغلام يمشي الى الملك، دفعه الى نفر من اصحابه، وقال اذهبوا به في سفينة الى لجة البحر، فإما يرجع عن دينه والا فألقوه، ذهبوا به فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، انكفأت بهم السفينة وغرقوا، جاء الغلام الى الملك.

وقال له: انك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال وما هو قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع نخل ثم خذ سهماً من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل بسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك اذا فعلت ذلك قتلتني.