الليل هو الفترة الزمنية من اليوم، الممتدة من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق. ومعنى »عسعس« طرفا الليل عند إقباله في أول الليل وعند إدباره في آخره، ومنهم من يقول »عسعس«، بمعنى أدبر فالقسم بالليل مدبراً. وتدل صيغة القسم على أهمية الأمر المقسم به، على أن القرآن منزل من الله تعالى بواسطة الأمين جبريل »إنه لقول رسول كريم«.

ومحور السورة حقيقتان مهمتان هما القيامة والرسالة، وكلاهما من لوازم الإيمان، فلما عرضت السورة هاتين الحقيقتين ذكرت »لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ«. قال أبو جهل: ذلك إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله »وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ للَّهُ رَبُّ لْعَالَمِين«، فعلق مشيئة الاستقامة على مشيئة الله تعالى.

وتعقيباً على الآية القرآنية »والليل إذا عسعس«، وغيرها من الآيات والسور القرآنية، فإن الوقت أنفس من الذهب والجوهر، وكل ساعة تمرّ، فهي تدني الإنسان من القبر، والإنسان هو عمره، فإذا انخرم منه وقت، انتقص من بدنه. فالزمن، من أجلّ النّعم، وقد أشار القرآن إلى هذه النعمة في كثير من الآيات منها »وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون« النحل.

وأقسم الله به »والليل إذا يغشى، والنهار إذا تجلى« الليل 2. وفي آيات أخرى مثل »والضحى والليل إذا سجى« الضحى، »والعصر إن الإنسان لفي خسر« العصر. والملاحظ أن قسم الله تعالى بالزمن، كان مهمّاً في أعلى درجات الأهمية، فلو أن إنساناً ضيّع عمره في ما لا يعنيه، وفي اللّحظة الأخيرة تاب، ومات على التوبة، ثبتت له السعادة الأبدية في اللحظات الأخيرة من العمر، فهو من أهل الجنة أبداً، وأقلّ عطاءً فيها بقدر إضعاف الدنيا.

علم أن أشرف الأوقات في حياته، تلك اللحظات التي رجع فيها إلى الله، وفي الحديث »نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ«، فوقت الصحة والفراغ، كرأس مال التاجر، فإذا لم يربح في تجارته، فهو خاسر كذا الإنسان إذا لم يستغنم هاتين النعمتين، وصرفهما في غير محالّهما، كانتا عليه وبالاً. وأما الزمن عند السلف الصالح، فهم أحرص عليه من الدرهم والدولار.

كان أحد التابعين استوقفه رجل للكلام، فقال له »احبس الشمس، حتى أكلمك، فإنّ الزمن لا يعود بعد مروره، فخسارته لا يمكن تعويضها، لأنه لكل وقت، ما يملأه من العمل«. وقال الحسن البصري »يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك«. ونقل عن أحدهم أنه كان يكتب في الدرس، فانكسر قلمه، في الحال قال »قلماً بدينار«، فتطايرت عليه الأقلام، هذا فكّر سريعاً: لو ذهب إلى السوق، ليشتري قلماً، لضاع الوقت، ولو قال أعيروني، لما التفت إليه أحد، فبذل المال لكسب الوقت، فحصل على بغيته.

والله تعالى فضّل بعض الأوقات على بعض، فشهر رمضان هو أفضل الشهور، فالحرص على اغتنامه، وملئه بالخيرات لهو دليل على حزم المسلم. ورمضان فيه نفحات: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعرض لها، ففي الحديث »افعلوا الخير دهركم، وتعرّضوا لنفحات رحمة الله، فإنّ لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوا الله أن يستر عوراتكم، وان يؤمّن روعاتكم« فرمضان: فيه مضاعفة الحسنات.

وفي صيام يوم منه، يُبعَدُ الصائم عن النار مسيرة سبعين عاماً، ففي الحديث »ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله، إلا باعد الله في ذلك اليوم وجهه عن النار، سبعين خريفاً« وصيام رمضان وقيامه، مغفرة للذنوب وتكفيرها. وفي رمضان، ليلة القدر، تعادل العبادة فيها عبادة ألف شهر. فعلى المسلم، أن يحرص على صيامه وقيامه، وصلاة التراويح، وحفظ الجوارح، وقراءة القرآن، فلا يضيّعه في النهار في كثرة النوم وفي الأسواق، وفي الليل، في لعب الورق، أو القمار، أو الإنترنت في المواقع التي تسمّم الفكر والعقل، وتذهب المروءة، فمن استطاع أن يكون قرينه عملاً صالحاً فليعمل، فإنه لا يصحبه من هذه الدنيا إلا عمله.