الثقافة بمعناها الواسع، تشمل كل تجليات التعبير المشترك كالحِكَم والأمثال الشعبية وكل الموروثات. إنها وليدة تفاعل الناس ومتطلبات حياتهم، ليتم تناقل المنجز جيلاً بعد جيل ضمن منظومة الهوية. هنا نتلمس عروق الذهب الذي بلورته التجارب حتى انتهى إلينا عبر اللغة بما يلخص قصة عناق طويل مع الحياة.
هذا المثل الإماراتي، يذكرك بدبي، فهي كما يقولون: دار الحي، والحياة المقصودة هنا هي الحيوية والذكاء والإبداع وهكذا صفات حميدات يتصف بها أهلها ومن ساكنهم.
وهل الحواضر البارزة في التاريخ، إلا مجال جاذب للمبتكرين وطلاب التطور والرقي في معارج المجد بلا حدود؟، فمن يعش فيها يستشعر حياتها وينطبع بروحها الوثابة والمتسامحة مع من عاش فيها، سواء كان من أهل الديرة أو من الضيوف الذين قدموا إليها خاطبين حضنها الدافئ، وملتمسين فرصها الذهبية وأمنها، وهي بنشاطها ودأبها تزيدهم حماسة نحو التجدد والتنافس في الخير والاستزادة منه.
وفي المقابل فثمة مدن وأنفس ميتة، بلا نماء وبلا حركة، مستسلمة لتخلفها وتناقضاتها وفقرها، ومن يعش فيها يُصَب بدائها فيفقر بفقرها وتضعف همته وتتثبط جراء خمول أهلها وموات تفاصيلها، وإن كان ذا هم زاد غماً فيها.
يقول المثل العربي: عدو عاقل خير من صديق جاهل. لأن العدو العاقل يمكن التفاهم والتعامل معه على أساس من العقل الذي يجنب الطرفين الكوارث، أما الصديق الجاهل أو الأحمق فهو يضرك من حيث أراد نفعك. فقد قال ابن الأعرابي: الحماقة مأخوذة من حمقت السوقُ، إذا كسدت، فكأن الأحمق كاسد العقل والرأي، فلا فائدة من مشاورته، وإذا أشار إليك زادك خبالاً.
وقال الشاعر:
لكل داءٍ دواءٌ يستطبّ به.. إلا الحماقة أعيتْ من يداويها
وقد قال الحكماء في صفات الأحمق:
الأحمق: يعطي في غير محل العطاء، ويبخل في محل العطاء، يتكلم في غير نفع ومنفعة، وحتى بدون تفكير، يتبع كلامه قسماً وحلفاً وهو غير أهل للثقة،
يضع السر عند من ليس أهلاً له، ويفشي السر بدون سبب داعٍ، ومتوهم انه أعقل الناس. إذا تكلم عجل، وإذا أستنزل عن رأيه نزل، و إذا استغنى بطر، وإن افتقر قنط، وإن مزح فحش، وإن سئل بخل، وإن سأل ألح، وإن ضحك بكى وخار، لا يفقه قولا ولا يحسن القول، وإن استنطق تخلف، وإن ترك تكلف، مجالسته مهينة، ومعاتبته محنة، وموالاته تضر، ومقاربته عمى، إذا قربته تكبر، وإذا أقبلت عليه اغتر، وإذا أحسنت إليه أساء إليك، وإذا أبعدته تكدر، وإذا أعرضت عنه اغتم، وكلما رفعت من قدره درجة انحط من قدرك عنده درجة، وإذا ظلمته أنتصف منك، وإذا أنصفته ظلمك، وهذا منتهى الحمق.
قال علي رضي الله عنه:
فلا تصحب أخا الجهل
وإياك وإياهُ
فكم من جاهل أردى
حليماً حين آخاهُ
