الثقافة بمعناها الواسع، تشمل كل تجليات التعبير المشترك كالحِكَم والأمثال الشعبية وكل الموروثات.
إنها وليدة تفاعل الناس ومتطلبات حياتهم، ليتم تناقل المنجز جيلاً بعد جيل ضمن منظومة الهوية.
هنا نتلمس عروق الذهب الذي بلورته التجارب حتى انتهى إلينا عبر اللغة بما يلخص قصة عناق طويل مع الحياة.
يقال هذا المثل الإماراتي عندما ترى شخصاً ذا هيئة ومظهر، فتعجب به وتأخذ عنه انطباعاً إيجابياً، بينما هو سيئ النفس والعمل.
المعنى طرقه الشعراء والحكماء وعالجته أمثال شعبية كثيرة لأهميته التي يلخصها قولهم ( المظاهر خداعة).
يقال إن الشاعر كُثيّر عزة دخل على أمير المؤمنين، عبد الملك بن مروان، يوماً، وكان كُثيّر قصير القامة نحيل الجسم، فقال عبد الملك: أأنت كثير عزة؟ قال: نعم؛ قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه!
فقال كثير: يا أمير المؤمنين، كلّ عند محله رحب الفناء، شامخ البناء عالي السناء؛ ثم أنشأ يقول:
ترى الرجلَ النحيف فتزدريه.. وفـى أثـوابـه أســدٌ هـصـورُ
ويعجـبـكَ الطـريـرُ اذا تـــراهُ.. ويخلفُ ظنكَ الرجـلُ الطريـرُ
ضعاف الطير أطولهـا رقابـاً.. ولم تطلِ البزاةُ ولا الصقـورُ
لقـد عَظُـم البعيـر بغـيـرِ لــبٍ.. فلـم يستغـن بالعِظَـم البعـيـرُ
ينـوَّخ ثـم يضـرب بالهـراوي.. فــلا غِـيَـرٌ لـديــه ولا نـكـيـرُ
يصرّفـه الصبـيُّ بـكـل أرضٍ.. وينحره على الترب الصغيـرُ
فما عظم الرجال لهـم بفخـرٍ.. ولكـن فخـرهـم كــرم وخـيـرُ
فـإن أكُ فـي شراركـمُ قلـيـلاً.. فـإنـي فـــي خـيـاركـمُ كـثـيـرُ
فأعجب به الأمير وعرف قدره من فصاحته وعقله وانكشاف جوهره الثمين.
وأما قول العرب «أن تسمع بالمعيدي خيرٌ من أن تراه» فقصته أنه كان في سالف الزمان رجل قاطع طريق يدعى «المعيدي» أخاف الناس وتردد اسمه على كل لسان.
فلما ألقي القبض عليه رأى الملك هيئته فاحتقره، وأطلق جملته المشهورة «أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه».
هذا يبدو وكأنه عكس المثل الذي نحن بصدده الشيفة شيفة والمعاني ضعيفة، ولكن يجتمع معه في إفادة أن المظهر قد يختلف جذريا عن المخبر، وأن علينا ألا ننخدع بالصورة الخارجية للإنسان.
وقد ورد في الحديث الصحيح: أن رجلاً مرَّ على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريّ إن خطب امرأة أن ينكح، وإن شفع يُشفّع، وإن قال أن يُستمع إليه، ثم مر رجل آخر فسألهم عنه، فقالوا: حريٌّ إن خطب ألا يُنكح، وإن شفع ألا يُشفَّع، وإن قال ألا يُستمع إليه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل ذاك، ففضَّل الفقير على الغني، لا لأن كل فقير هو خير من الغني، إنما التفاضل لا يقوم أبداً إلا على الجوهر وما ينتجه من أعمال.
هنالك مثل مصري مرادف يقول «من بره هلّا هلّا ومن جوة يعلم الله». الشيفة شيفة والمعاني ضعيفة.
