الثقافة بمعناها الواسع، تشمل كل تجليات التعبير المشترك كالحِكَم والأمثال الشعبية وكل الموروثات. إنها وليدة تفاعل الناس ومتطلبات حياتهم، ليتم تناقل المنجز جيلاً بعد جيل ضمن منظومة الهوية. هنا نتلمس عروق الذهب الذي بلورته التجارب حتى انتهى إلينا عبر اللغة بما يلخص قصة عناق طويل مع الحياة.
بتاريخ 4 مايو 2015م نشرت «البيان» للإعلامي المعروف علي عبيد مقالاً حمل هذا الميسم ذاته «نحن عصاك اللي ما تعصاك» في خطوة اتخذها لإعلاء شأن التراث المحلي وإضاءة مضمونه، والتواصل معه من خلال توظيفه الحي في شؤون حياتنا المعاصرة، تأكيداً لخصوصية الذات والهوية الإماراتية، حيث سنحت السانحة، وقد استهل عبيد مقاله محتفياً بعفوية إطلاق المثل ليوافق مكانه وزمانه الصحيحين فقال:
قالها بعفوية، ذلك العسكري الإماراتي الشاب، لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أثناء زيارة سموه للمشاركين من القوات الجوية الإماراتية في عملية «إعادة الأمل» بالمملكة العربية السعودية، فكان رد سموه على العسكري الإماراتي الشاب سريعاً وعفوياً أيضاً، حيث قال له: «كفو يا ولدي، الله يحفظكم».
«حنّا عصاك اللي ما تعصاك» ليست مجرد عبارة خرجت بشكل عفوي من عسكري إماراتي شاب، في لحظة انفعال عاطفي خلال زيارة قائد لأبنائه، وإنما هي تعبير عن الانتماء الذي يشعر به كل مواطن إماراتي لوطنه، والولاء الذي يدين به كل مواطن إماراتي لقيادته، ليس فرضاً ولا خوفاً، وإنما حباً وأمناً واطمئناناً، بدليل هذا التفاعل الواسع من قبل المواطنين الإماراتيين مع هذا الموقف على مواقع التواصل الاجتماعي.
ميزة استعراض هذا المثل، أنه يقدم درساً بسيطاً لكيفية توظيف المثل من خلال عرض تفاصيل الموضع والظروف والملابسات التي يقال فيها ليشكل ذلك خارطة لطريقة قول المثل حتى يقوم بوظيفته على الوجه الأكمل وفي الوقت ذاته يجعل مضمون المثل ميسور الفهم لأن سياقه واضح.
«حنّا عصاك اللي ما تعصاك»، مثل إماراتي قديم، يضاهي ما أوجزه أعرابي عن قيمة العصا وتعدد أغراضها وفائدتها وطاعتها لسيدها الذي يحقق بها أهدافه التي لا غنى عنها، ولنستمع إلى ما قال الأعرابي عن قيمة العصا.
قيل إن الحجاج بن يوسف الثقفي لقي أعرابياً فقال له: ما في يدك؟ قال: عصاي.. أركزها لصلاتي، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأعتمد بها في مشيتي لتتسع خطوتي، وأثب بها النهر، وتؤمنني من العثر، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر، ويدفئني من القر، وتدني إلي ما بعد مني، وهي محمل سفرتي، أعصي بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأتقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران، أهش بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى.
ترى هل من حيوية وقوة مثل العصا حين تطيع صاحبها؟
