نقائض جرير والفرزدق

الثقافة بمعناها الواسع، تشمل كل تجليات التعبير المشترك كالحِكَم والأمثال الشعبية وكل الموروثات. إنها وليدة تفاعل الناس ومتطلبات حياتهم، ليتم تناقل المنجز جيلاً بعد جيل ضمن منظومة الهوية.

هنا نتلمس عروق الذهب الذي بلورته التجارب حتى انتهى إلينا عبر اللغة بما يلخص قصة عناق طويل مع الحياة.

النقائض هي قصائد تجمع الهجاء والفخر في الوقت ذاته، وتنظم على نسق القصيدة البادئة.

كان كل من جرير والفرزدق يقوم بمدح نفسه مفاخراً بالشعر، ويعمد في الوقت ذاته إلى ذم الآخر، والعجب أن كلا الشاعرين من قبيلة تميم، ولكنهما من فخذين مختلفين ما أدّى إلى نشوء عداوة بينها.

لقد كان جرير يحب سحق وإخراس الشعراء في عصره، باستخدام هذا الأسلوب، بالفعل يقال إنه استطاع القضاء على ثمانية شعراء محترمين، ولم يستطع الصمود والنجاة من ذمه المقذع سوى هذين الشاعرين الكبيرين: الفرزدق والأخطل، فمن هم أصحاب النقائض؟

الفرزدق هو: همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي، يكنى بأبي فراس وسبب تسميته بالفرزدق، هو تجهم وضخامة وجهه، لأن معنى الفرزدق هو الرغيف المنتفخ. ولد في العراق، واشتهر بشعر الفخر والمديح والهجاء، ويعد من نبلاء قومه وسادتهم في بني تميم، كان يتنقل بين الولاة والأمراء الأمويين ليقول فيهم شعر المدح، وقد توفي عن 110 أعوام.

ونذكر من نقائض الشاعرين قول جرير:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا

فابشر بطول سلامةٍ يا مربعُ

إنَّ الفرزدقَ قدْ تبينَ لؤمهُ

حيثُ التقتْ حششاؤهُ والأخدعُ

ومما قال الفرزدق مناقضاً جريراً ومفاخراً:

إنّ الــذي سَـمَـكَ السّـمـاءَ بَـنـى لَـنَـا

بَـيْـتــاً، دَعَـائِـمُــهُ أعَــــزُّ وَأطْـــــوَلُ

بَيْـتـاً بَـنَـاهُ لَـنَـا المَلِـيـكُ، ومَــا بَـنـى

حَــكَــمُ الـسّـمَــاءِ، فــإنّــهُ لا يُـنْـقَــلُ

يقال إنه عندما ذهب الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلى الحج هو وحاشيته، سار معهم الفرزدق، فكان البيت الحرام يزدحم بالحجيج، فلم يستطع الخليفة الطواف فجلس ينتظر دوره، وخلال ذلك جاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بـ»زين العابدين« فأفسح له الحجاج الصفوف حتى وصل إلى الحجر الأسود، فأثار ذلك عجب هشام بن عبد الملك فسأل عن هذا الرجل، ولم يكن يعرفه، فرد عليه الفرزدق بقصيدته المشهورة التي قال فيها:

هَذا الذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ

وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

هذا ابن خير عباد الله كلهمُ

هذا التقي النقيّ الطاهر العلمُ

وأما الشاعر جرير فهو أبو حرزة جرير بن عطية بن حذيفة التميمي، ولقد كان من أشعر شعراء عصره.

ولد جرير في منطقة اليمامة وتوفي بها، وكان عفيفاً، وقيل إنه كان من أغزل الشعراء شعراً، ويكفي شاهداً على ذلك قوله الشهير:

إن العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك له

وهنّ أضعف خلق الله أركانا

تعليقات

تعليقات