محمود درويش.. فكّر بغيرك

الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش «1941 – 2008م»، جدد في الشعر بمواهبه الاستثنائية، وجسّد وجذّر بامتياز، حلم فلسطين في الوجدان العربي المعاصر، ساعياً بشكل مبهج ومثابر إلى المحافظة بقوة على جمرة قضيته الوطنية، حتى غدت بفضله أيقونة معلقة «في» وليس «على» صدور كل فلسطينيي الدياسبورا والداخل معاً، لما بثه تعبيره من معانٍ إنسانية وفكرية توهجت في ثنايا نصوص ملأت شسوع الأفق العربي ألقاً، من الماء إلى الماء، كما دأب أن يقول هو شخصياً، طوال عقود امتدت منذ ستينيات القرن المنصرم حتى استهلالات الألفية الثالثة.

ولعل من أهم فراداته التي أكدت عبقرية تجربته، أنه أسس نموذج «سلطة المثقف» ونفوذه المكتسب من وعيه الشامل والواضح في ظل شجاعة طرحه وانتمائه المطلق للحلم الأكثر شعبية دون فواصل إيديولوجية أو سياسية، الأمر الذي حوّله إلى نيرودا فلسطين. وبجانب ذلك، فإن ميله إلى البساطة في القول الشعري وتناوله للذكريات الأثيرة بقلب طفولي ولغة بريدية يومية من قبيل الوفاء إلى الأم: «أحن إلى خبز أمي، وقهوة أمي»، وتطرقه لوجبات الزعتر البلدي ومزارع البامياء والزيتون.. كل ذلك جعله وثيق الصلة بالنفس والروح وبالحلم الجميل أيضاً، فشكّل ذلك كله ضمانة للمحافظة على نضارة جرح الوطن، ولطالما تغنى الأحرار وأنشد التلاميذ شعره البسيط: سجل أنا عربي.

أسّس في الحقيقة صوتاً مسموعاً وقوياً للمشردين والمظلومين في الأرض مترجماً بأمانة بالغة معاناة اللاجئين:

«قَالَ رِجَالُ الجَمَارِكِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُم؟ أَجبْنَا: مِنَ البَحْرِ. قَالُوا: إِلَى أَيْنَ تَمْضُون؟ قُلْنَا: إلى البَحْرِ. قَالُوا: وَأَيْنَ عَنَاوِينُكُم؟

قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جَمَاعَتِنَا: بُقجَتِي قَرْيتِي. فِي مَطَارِ أَثِينَا انْتَظَرْنَا سِنينَا».

لقد شكّل درويش ظاهرة خير، في الحياة الثقافية والسياسية لأبناء شعبه، ولكل الأمة العربية، لكونه لسان حال صادق وجريء، يحمل هموم المغمومين المقموعين، و«يلعلع» بها فوق المنابر العالية على امتداد العالم، بحكم شهرته، خاصة حينما يعالج القيم الإنسانية والزفرات اليومية المتطاولة، التي يطلقها كل إنسان في شتى بقاع الأرض، بلغة أليفة ووريفة، منها قوله التالي الداعي إلى نقاء النفوس والشعور بالآخر وحرمانه:

وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ

لا تَنْسَ قوتَ الحمامْ

وأنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ

لا تنس مَنْ يطلبون السلامْ

وأنتَ تسدد فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ

مَنْ يرضَعُون الغمامْ

وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ

لا تنس شعب الخيامْ

وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ

ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنامْ

وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكِّر بغيركَ

مَنْ فقدوا حقَّهم في الكلامْ

وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك

قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلامْ.

إنها دعوة حب. محمود درويش لم يكن يوماً داعية حرب أو كراهية، وإنما نادى بقيم السلام والاحترام بين البشر، وبشّر بالحياة:

بوركت الحياة

فوق الأرض

لا تحت الطغاة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات