ابن زريق البغدادي.. طلب الرزق برفق

قصيدة ابن زريق البغدادي الشهيرة التي يؤنب فيها نفسه على الطموح المتجاوز حده إلى مهاوي الطمع، حين ضحى من أجل إصابة المال والجاه، بهناء أسرته وبحقوق أقرب الناس وأحبهم إليه، فما نال مما طمح إليه شيئاً.

ولا استمتع بما أتيح له في كنف داره وأسرته.. يقول في مطلعها مخاطباً باحترام وود، حليلته التي لامته على تحميل نفسه فوق طاقتها وخسرانه لأجمل لحظات العمر في أحضان زوجته وولده، وركوب المهالك عوض ذلك بحثاً عن الدنيا:

لا تعذليه فإنّ العذْل يوجعُهُ

قد قلتِ حقّاً ولكنْ ليس يسمعُهُ

نحسب أن هذا الاعتراف الجميل بعيوب النفس، وبما جبلت عليه من طمع وحب لتحسين ظروف الحياة والجاه، رغم خطورة ذلك أحياناً وما يفضي إليه من مصير غير معلوم، يعتبر إشارة لخير عميق ينطوي عليه الشاعر وهو يضرب أكباد الإبل ميمماً شطر المشرق والمغرب، كأنه موكل بفضاء الله يذرعه. هذا الاعتراف أكسب القصيدة وشاعرها مصداقية تجعل المتلقي شيقاً ينتظر التسويغ بعد أن أقرّ المعذول بخطئه، ورغم ذلك يقرر المضي قدماً في المغامرة، تحدوه «عسى ولعل»، ونعتقد أن هذا درس كبير في تحليل النفس ورصد معادلة الحياة الصعبة.

تأبى المطامع إلاّ أنْ تجشّمهُ

للرزق كدّاً وكم ممّن يودعهُ

وما مجاهدةُ الإنسان واصلةٌ

رزقاً ولا دَعةُ الإنسان تقطعهُ

والله قسّم بين الناس رزقَهُمُ

لم يخلقِ اللهُ مخلوقاً يضيّعه

ونعم بالله، وحاشاه ربنا أن يضيع مخلوقاً منا، ولو كان نملة سوداء في ليلة ظلماء في صخرة صماء، فإنه سميع بصير يراها ويسمعها ويصلها بالرزق حيث هي، ولكننا رغم معرفتنا بهذه الحقيقة إلا أننا نتجشم وعثاء السفر والغربة، ونورد أنفسنا موارد التهلكة، ونتحمل ما لا نستحق بين يدي من لا يهتم بقدرنا، حرصاً على الرزق الذي هو مقسوم بقدر مقدور أصلاً، ونحن بإيماننا نعلم ذلك، ولكن الناس هكذا كما يقول ابن زريق:

لكنّهم ملئوا حرصاً فلستَ ترى

مسترزقاً وسوى الغايات تقنعهُ

والحرص في المرء والأرزاق قد قسمتْ

بغيٌ، ألا إن بغي المرء يصرعه

والدهرُ يعطي الفتى ما ليس يطلُبُهُ

حقّاً ويطمعُهُ من حيث يمنعه

تأملوا هذا البيت الأخير، أليس صحيحاً؟ الدهر يعطي الفتى أحياناً ما ليس يطلبه حقاً، بينما يطمعه في شيء آخر فيمنعه عنه، وكأنما نحن ألعوبة، رغم رأينا بأن الدهر لا يطمعنا في شيء وإنما النفس الأمارة بالسوء، وأما الدهر فيعطينا المقسوم.

وجه الخير في هذا البيان النفسي، نلتمسه في حث الشاعر على طلب الرزق، على أي حال، لأن السماء لا تمطر ذهباً، لذا فعلينا أن نحرص على ما ينفعنا، ولكن بروية وتعقل، دون بغي على أنفسنا وغيرنا، مع الإيمان بأننا لو ركضنا ركض الوحوش في البرية، فإنه سوى المقسوم لن ننال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات