البحتري.. عظات الدهر وصون النفس

قصيدة «صُنْتُ نفسي عمّا يدنّس نفسي.. وترفّعتُ عن جَدا كلّ جبسِ» للبحتري، إحدى أيقونات الشعر العربي إطلاقاً، جزالة وأناقة ودقة في الوصف وتمثيلاً للحكمة المستقاة من صروف الدهر، ولو كانت العرب تعلّق على أستار الكعبة شعراً بعد الإسلام لعلّقتْ هذه الملحمة «56 بيتاً»، التي لا تقل شأناً وشأواً عن المعلقات، وهي مثلها قد شاعت وذاعت بين الناس، خاصة أرباب الأدب الرفيع.

والبحتري هو أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي، ولد بمنبج في الشام، ونشأ وتنقل بين القبائل البدوية، متأثراً بفصاحتها، ثم استقر في بغداد، ومدح الخليفة العباسي المتوكل. تتلمذ على يد أبي تمام، ولكنه لم يولع مثله بالمحسنات البديعية، كما أنه لم يتأثر بالفلسفة، إنما برع في جمال التعبير والقدرة على التصوير أو الوصف، حتى قال النقاد: «المتنبي وأبو تمام حكيمان، وإنما الشاعر البحتري» توفي سنة 284هـ.

كان البحتري مقرباً جداً من المتوكل، فلما اغتيل الخليفة، حزن عليه ورثاه، فضاق به المنتصر بالله ابن المتوكل، وقد كانت له يد في قتل أبيه والله أعلم، فجفاه، وقلاه، فامتلأت نفس البحتري المرهفة، همّاً وغمّاً، وذهب إلى المدائن التي كانت يوماً عاصمة لكسرى الفرس، في رحلة يسلي بها نفسه، فوقف أمام الإيوان المهجور، يصفه وصفاً عميقاً ويشبه نفسه به، ويستلهم من زوال هيبته العبر والحكم، مستذكراً ما حدث له من جفاء وتحول نعمة، وهكذا الدهر.

ولذلك ينبهنا الشاعر بأن نتماسك، وألّا نبدي جزعاً من الأقدار، ولا نأسى لزوال النعم وفقدان المكاسب، لأن الأيام دول.. ونشير فوراً إلى أن جدا كل جبس تعني عطاء ومال كل رذيل.

صُنْتُ نفسي عمّا يدنّس نفسي

وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُلِّ جِبسِ

وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهــرُ

التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي

إلى أن يبلغ به الأمر مبلغاً من الأسف والحزن إزاء زمان صارت فيه المصائر بيد أخس الناس خلقاً ومعاملة، بعد أن كان خير الناس هم الأئمة والسادة فيما مضى من الزمان البهي فضاقت الدنيا بالأخيار واتسعت للشرار:

وَكَأَنَّ الزَمانَ أَصبَحَ مَحمولًا

هَواهُ مَعَ الأَخَسِّ الأَخَسِّ

وَقَديماً عَهِدَتني ذا هَناتٍ

أبِياتٍ عَلى الدَنِيّاتِ شُمسِ

ولكن من أشد الأبيات تعبيراً عن عزة النفس هذا القول العظيم الذي يجب أن يكون شعاراً لكل ذي نفس أبيّة:

وَإِذا ما جُفيتُ كُنتُ جَديراً

أَن أُرى غَيرَ مُصبِحٍ حَيثُ أُمسي

ثم يتوجه البحتري إلى وصف رحلته الاستجمامية نحو قصر المدائن:

حَضَرَتْ رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهــتُ

إِلى أَبيَضِ المَدائِنِ عَنسي

أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى

لِمَحَلٍّ مِن آلِ ساسانَ دَرسِ

أَذكَرتْنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي

وَلَقَد تُذكِرُ الخُطوبُ وَتُنسي

تأمل هذا البيت الأخير بالله، أليس حقاً؟ الخطوب تذكّرنا بالماضي، وقد تُنسينا أيضاً، هذا درس كبير وشعر كبير، ونفس أكبر..

طباعة Email
تعليقات

تعليقات