ابن الملوح قلب جريح.. يعشق للخير

قيس بن الملوح، الملقب بمجنون ليلى «645-688 م» شاعر نجدي معروف، يعد أيقونة الحب العذري. طلب يد بنت عمه ليلى بعد أن جمع لها مهراً كبيراً وبذل لها خمسين ناقة حمراء، فرفض أبوها أن يزوجها إليه، لأنه فضحها بشعره عنها قبل خطبتها، فجاء رجل من ثقيف يدعى ورد بن محمد العُقيلي، وبذل لها عشراً من الإبل وراعيها، فاغتنم والد ليلى الفرصة وزوجها له رغماً عنها.

رحلت ليلى مع زوجها إلى الطائف بعيداً عن مجنونها قيس، ويقال إنه حين تقدم لها الخطيبان قال أهلها: نحن مخيّروها بينكما، فمن اختارت تزوجته، ثم دخلوا إليها فقالوا: والله لئن لم تختار ورداً لنمثلنّ بك، فرضخت.

فهام قيس على وجهه في البراري والقفار ينشد الشعر والقصيد ويأنس بالوحوش ويتغنّى بحبه العذريّ، فيُرى حيناً في الشام وحيناً في نجد وحيناً في أطراف الحجاز، ولذلك قيل عنه مجنون، إلى أن وُجد ملقًى بين أحجار وهو ميت.

يقول في نضارة قلب، محباً لخير المحبوب، مخلصاً أبد الدهر ومعلقاً حياته وهناءته بها:

فأنتِ التي إنْ شِئْتِ أَشْقَيْتِ عيشَتي

وأنتِ التي إن شِئْتِ أَنْعَمْتِ باليا

وأنتِ التي ما مِنْ صَديقٍ ولا عِداً

يرى نِضْوَ ما أَبْقَيْتِ إلاّ رَثى ليا

وإنّي لأسْتَغْشي وما بيَ نَعْسَةٌ

لعَلَّ خَيالاً مِنكِ يَلْقى خَيالِيا

هيَ السِّحرُ إلّا أنّ للسِّحْرِ رُقْيَةً

وإنّيَ لا أَلْفي لها الدّهرَ راقِيا

إذا نَحْنُ أَدْلَجْنا وأنتِ أمامَنا

كَفى لِمَطايانا بذِكْراكِ هادِيا

ذَكَتْ نارُ شَوْقي في فُؤادي فأَصْبَحَتْ

لها وَهَجٌ مُسْتَضْرَمٌ في فُؤادِيا

هذا قلب عامر بالخير إلى أقصى الدرجات، مع أنه يائس من الظفر بها، بعد أن زوجها أبوها لغيره.

لم يفكر قيس برغم كل تلك اللواعج في اختطاف ليلى أو المساس بها ما دام أهلها لا يرتضونه، فهو يحترم أنه باتت زوجة جليلة لغيره، ويكفي أن يبقى محباً لها حتى الموت، مستسلماً لقدر الله الذي جعل محبوبته من نصيب غيره.

قضى اللهُ بالمَعْروفِ منها لغيرنَا

وبالشّوقِ منّي والغرامِ قضى ليا

وأنّ الذي أمَّلْتِ يا أمَّ مالكٍ

أشابَ فُوَيْدي واسْتَهامَ فُؤادِيا

أعُدُّ اللّيالي ليلةً بعد ليلةٍ

وقد عِشْتُ دهراً لا أَعُدُّ اللّياليا

وأَخرجُ مِن بينِ البُيوتِ لعَلّني

أُحَدِّثُ عنكَ النّفسَ بالليلِ خالِيا

إن من أبرز العبر التي نستقيها من قصة ليلى العامرية وابن عمها قيس بن الملوح الذي هام بها، وبرغم ذلك تزوجت غيره، أن أهل المحبة الحقيقيين هم أهل وفاء يمتلكون أفئدة كأفئدة الطير نضارة ورحابة، لا تكره من أوجعها، بل تجد له المعاذير وتتمنى له الخير.

وَدِدْتُ على طيبِ الحياةِ لو انّهُ

يُزادُ لليلى عُمْرُها مِن حَياتِيا

ألا يا حَماماتِ العِراقِ أَعِنَّني

على شَجَني، وابْكِينَ مِثْلَ بُكائِيا

يقولونَ ليلى بالعِراقِ مَريضَةٌ

فيا ليتني كنتُ الطَّبيبَ المُداوِيا

طباعة Email
تعليقات

تعليقات