البارودي يثني على الشرف والنفس العالية

محمود سامي البارودي شاعر عظيم، جدد الشعر العربي بعد جموده، عمل ضابطاً في الجيش المصري، وقد تولى رئاسة الوزراء عام 1882، غير أن أهميته ههنا تكمن في وجهين من وجوه الخير، الأول: نفسه العالية الأبية التي فاخر بسجاياها وشرفها فجعلها أمثولة، وثانياً أحيا رصانة وجمال الشعر العربي بعد أن أماته عصر الانحطاط السابق لعصر النهضة الذي يعد البارودي رائده، بتجربة شعرية كبيرة ملأت الأسماع والآفاق.

سِوَايَ بِتَحْنَانِ الأَغَارِيدِ يَطْرَبُ

وَغَيْرِيَ باللَّذَّاتِ يَلْهُو وَيُعْجَبُ

وَمَا أَنَا مِمَّنْ تَأْسِرُ الخَمْرُ لُبَّهُ

وَيَمْلِكُ سَمْعَيْهِ اليَرَاعُ المُثَقَّبُ

وَلَكِنْ أَخُو هَمٍّ إِذَا مَا تَرَجَّحَتْ

بِهِ سَوْرَةٌ نَحْوَ العُلاَ رَاحَ يَدْأَبُ

تلك أوصاف حاسمة للنفس العالية، ذات الهدف والغاية، والتي لا تغمض لها عين حتى تحقق مرادها مهما كلفها الأمر، وهكذا فإننا بصدد شعر يقدم أنموذجاً يحث على الاجتهاد في طلب المعالي، مع تمرين النفس على المجالدة وبذل قصارى الوسع من أجلها، باعتبار أن مهر الرفعة والسمو غال بلا شك.

إن توطين النفس على تحمل المشاق والتضحيات والسير وفق رؤية واضحة في الحياة، تنتهي بكل ما هو عظيم وبناء، ذلك ديدن الكبار «وتصغر في عين العظيم العظائم» ولذلك نجد البارودي:

نَفَى النَّوْمَ عَنْ عَيْنَيِهِ نَفْسٌ أَبِيَّةٌ

لَها بَيْنَ أَطْرافِ الأَعزةِ مَطْلَبُ

بَعِيدُ مَنَاطِ الهَمِّ فَالغَرْبُ مَشْرِقٌ

إِذَا مَا رَمَى عَيْنَيْهِ وَالشَّرْقُ مَغْرِبُ

أي نفس هذه التي يروج لها شاعرنا الكبير، إلا أن تكون نفس قائد رائد لا يكذب أهله، وهو بقدر ما يفاخر بأخلاقه الكريمة هذه، فإنه بطريقة ما يدعو إلى التأسي بها، بغية تسييدها في مجتمعه الذي كان يومها يرزح تحت نير الاستعمار، ما يتطلب شعباً كبير النفس، تهون في عينيه الشهوات والملاهي ما دامت كرامته وغاياته الكبيرة سليبة وبعيدة عن يده. ولذلك فالبارودي يحرض شعبه على أن يقتدي به في الإباء والنقاء وعلو الهمة حتى يكون أمام غاياته العليا:

هَمَامَةُ نَفْسٍ أَصْغَرَتْ كُلَّ مأْرِبٍ

فَكَلَّفْتِ الأَيَّامَ ما لَيْسَ يُوهَبُ

وَمَنْ تَكُنِ العَلْيَاء هِمَّةَ نَفْسِهِ

فَكُلُّ الَّذِي يَلْقَاهُ فِيهَا مُحَبَّبُ

إِذَا أَنَا لَمْ أُعْطِ المَكَارِمَ حَقَّها

فلا عَزَّنِي خالٌ ولا ضَمَّنِي أَبُ

خُلِقْتُ عَيُوفاً لا أَرَى لابْنِ حُرَّةٍ

لَدَيَّ يَدًا أُغْضِي لها حِينَ يَغْضَبُ

فَلَسْتُ لأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقّعاً

وَلَسْتُ عَلى شيءٍ مَضَى أَتَعَتَّبُ

يكاد يجمع النقاد على أن من أهم سمات تجربة البارودي اللافتة لنظر القارئ أنه ميال إلى الحكمة والفخر، ولكنه في أكثر الحِكَم التي يصوغها على نحو فريد، أنها تعبر عن علو الهمة ومكارم الأخلاق التي يحرص على أن تسود بين أفراد مجتمعه الكبير، أملاً في أن تكون الأمة أمة. إنه يريد لشعبه أن يخرج من البوار والموات إلى القوة والشمم والعزة ولا يتأتى ذلك إلا بمخالفة النفس الأمارة بالسوء والدعة واللهو الرخيص.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات