حكايات رياضية الجبابرة أيضاً يبكون..! ( 1)

كلاي.. يعيد قصة الفضيل بن عياض

في دفتر الرياضة.. ذكريات كل منها يحوي ما كان من أحداث، ويبشر بما هو آتٍ ومع هذه وتلك تكون الحكايات.

سأله: لماذا تركض بهذه السرعة نحوي؟

قال: سرقوا دراجتي.. أريد منك أن تمسك باللص، وتأتيني به حتى أبرحه ضرباً.

قال له الضابط: وهل تعرف كيف تضربه ؟ عليك أن تتعلم الضرب أولاً.

حوار سريع تم بين غلام أسمر ورجل أبيض لم يدر بخلده - حين كان الحوار- أن هذا الطفل الأسود الواقف أمامه وعمره لا يتعدى اثنتي عشرة سنة، ويكِزّ على أسنانه بفكيه كظماً للغيظ.. سيكون هو أسطورة أساطير الرياضة في القرن العشرين. لكنه في يوم ما، أيقن تلك الحقيقة عندما توج طفل الأمس ملكاً على عرش رياضة الفن النبيل.

وتحول في أوج قوته الى الإسلام ليصبح محمد علي كلاي بطلاً من نوعية مختلفة.. حين أضاء الله قلبه بنور الإيمان فشع على جوارحه وروحه فتنسم سبل الرضا وتعامل مع أعنف الألعاب وقوتها كوسيلة للدعوة الى الله دون أن يكون في لباس المشايخ وعلماء الدين التقليديين.

محمد علي كلاي الذي يعد من أقوى الملاكمين وأكثرهم جبروتاً على الحلبة عبر التاريخ وصاحب أسرع لكمة في التاريخ بلغت سرعتها ما يقارب 900 كم في الساعة، تحول منذ عرف الله تعالى ولان قلبه إلى ذكر الله.. فيما يشبه قصة الفضيل بن عياض، حيث كان من جبابرة زمانه يُخيف الناس، لكنه عندما سمع قول الله تعالى:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾-الحديد16- قال: يا رب قد آن، فتاب وتحول حاله إلى حال آخر تماماً فأصبح من زهاد عصره، وجاور الحرم حتى مات.

وبنفس الطريقة «لان» قلب البطل الأسطوري محمد علي، فكان في حياته على قوته وجبروته فوق الحلبة، رقيق القلب، تنساب دموعه ويجهش في البكاء، عند ذكر الموت أو سماع القرآن الكريم، ولعل ذلك يتجسد في رده على طفل صغير سأله في احدى الندوات، عما سيفعله بعد اعتزال الملاكمة.. فقال: سأنتظر لقاء الله.

رسالة إنسانية

محمد علي الذي أيقن أنه لن يكون عبدا إلا لله.. رفض العنصرية بكل أشكالها، وتعامل مع الرياضة على أنها رسالة للإنسانية جمعاء، فراح يمنح أمواله في سبيل الدعوة للإسلام وأعمال الخير ويوقف أموال من رصيده لها بحيث لا يحق لورثته أن يرثوها من بعده.

سخر موهبته الفطرية وسرعة بديهته، في الوصول إلى هدفه وتحقيق غايته.. فقد كانت آراؤه صادمة وساخرة من منافسيه.

لكنه حين أسلم أدرك حرمة السخرية من الآخرين، حتى إنه ندم على بعض آرائه، مثل تلك التي قالها عن سوني ليستون بطل العالم عندما سأله أحد الصحفيين حينذاك فقال: أليس قبيحاً ليكون بطلاً للعالم؟ ألستُ أنا أوسم منه؟ لكنه بعد إسلامه شاهد صورة ليستون وخاطبه بقوله:

كنت تخيفني يا رجل!

غير أن ذلك كله لم يحزنه بقدر ما سبق وقاله إنه الأعظم.. هذه المقولة ظل يندم عليها طوال حياته لإدراكه بعد إسلامه أن الأعظم هو الله، حتى إنه أيقن أن الله ابتلاه بالمرض ليعي أنه ليس عظيماً، وأن العظمة كلها لله.

الأشرار

وعندما سحبوا منه ترخيص الملاكمة، ولقب بطل العالم وهددوه بالسجن بعد رفضه المشاركة في حرب فيتنام، قال في لقاء تلفزيوني بأن «كل الرجال البيض أشرار».

ولما حاول المذيع الأبيض، وكان صديقاً له أن يخفف من ذلك التعميم بأنه يتفق معه بوجود رجال بيض أشرار، ولكن ليس كلهم فقاطعه محمد علي مشدداً تأكيده: «بل كل كلهم».

مع ذلك وبعد مرور 30 سنة، وبعدما عاش روحانيات الدين الحنيف تراجع كلاي عن ذلك، وقال: «ليس كل الرجال البيض، ولا السود أشراراً».

الإسلام عند محمد علي كان بمثابة نبراس النور لروحه المنجذبة إلى الحب الإلهي، فقد كسر بداخله غرور المنتصرين ومنحه تواضع المؤمنين المنتصرين، وفي ظل العنصرية التي كان يعيشها الأميركان حينذاك وجد المساواة في الإسلام، شعر بمكانته حين قرأ «لا فرق بين أبيض وأسود إلا بالتقوى»، استهوته قصة الصحابي الجليل بلال بن رباح الحبشي، وكيف تحول من عبد إلى حر في الإسلام..

لذلك، لم يكن غريبا أن ينسجم مع دين يواكب أفكاره التحررية ويتماشى مع فطرته الإيمانية، وهو ما وضح عندما سألوه أيام الحرب في فيتنام وأين يقع هذا البلد على خريطة العالم.. فقال: «إنه في التلفاز» !.. فصار من أشهر مانشيتات الصحف.

ثم عبر عن غضبه الشديد من العنصرية، وقال: «لماذا عليّ وعلى الذين يدعون زنوجاً أن نسافر عشرات الأميال لإلقاء قنابل على أناس أبرياء سود وسمر لم يزعجونا في شيء. إن معركتنا هنا مع من يزعجنا في كنتاكي ويمنعوننا من دخول مطاعمهم أو متاجرهم بسبب لون بشرتنا».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات