هي لحظات أشبه بضربة قاضية أو هدف ذهبي، قادرة على تغيير مجرى حياة أي شخص، تمنحه قوة وطاقة نور في أوقات عصيبة تكاد أن تعصف به، وفي ملاعب الرياضة هناك نجوم وأساطير، منهم من نشأ في ظل دين الفطرة وآخرون عادوا إليه بقناعة تامة، وما بينهما يبقى الإيمان والتسامح والهدف النبيل.
في عالم الرياضة، تبقى النجوم والأساطير دوماً في قلب الأحداث، وتظل أخبارهم تتصدر نشرات الأخبار العالمية في كل المواقف التي تصدر عنهم، كريس جاكسون أو محمود عبد الرؤوف، لاعب كرة السلة الأميركي الشهير، وأحد أساطير دوري الـNBA الدوري الأشهر في العالم على الإطلاق، فاجأ العالم أجمع في موسم 1991 وهو في أوج عطائه مع فريق دنفر باعتناق الدين الإسلامي، كما قام بتغيير اسمه إلى محمود عبد الرؤوف، ليصبح هذا الخبر هو أقوى «دنك» تم تسجيله في سلة الدوري العملاق وقتها.
يبقى لاعب كرة السلة الأميركي، محمود عبد الرؤوف، أو كريس جاكسون، صاحب أكبر جدل حدث في وسائل الإعلام الأميركية المختلفة، القصة بدأت في أحد أيام مارس من العام 1996 حينما تعرض لعقوبة الإيقاف من اتحاد كرة السلة الـ NBA؛ بسبب رفضه الوقوف تحية للنشيد الوطني والعلم الأميركي، وذلك قبل انطلاقة إحدى المباريات المهمة في المسابقة.
الدين أولاً
يومها خرج لاعب السلة الشهير بتصريح قوي قال فيه: ديني أهم من أي شيء آخر؛ ولذلك أحرص على أن يكون ولائي لله تعالى قبل أن يكون لأي شيء آخر، وأضاف: نعم أخسر 31.707 دولاراً في كل مباراة بعد قرار فترة إيقافي؛ بسبب تلك الحادثة، لكن كما قلت فواجبي تجاه خالقي أعظم وأجلّ من الفكر الوطني أو الوطنية.
أخذ صدام «عبد الرؤوف» مع اتحاد كرة السلة بعداً أكبر من كونه خلافاً رياضياً؛ فقد برهن هذا الصدام على اتساع الهوة بين دين الإسلام والوطنية الأميركية، حسب اعتقاد اللاعب عبد الرؤوف؛ مما دعاه إلى الإصرار على الرفض في كل مباراة، وهكذا أصبح هذا الخلاف مادة مثيرة لوسائل الإعلام الأميركية المختلفة.

وجهة نظر
من جانبه، برر نجم السلة الشهير رفضه الوقوف تحية للنشيد الوطني والعلم الأميركي، بأن العلم رمز للاضطهاد والطغيان؛ لذلك رفض أن يقف تحية وإجلالاً له. ومنذ تلك الحادثة ظل عبد الرؤوف إما ينتظر في غرفة الملابس إلى حين الانتهاء من رفع العلم الأميركي وأداء النشيد الوطني، أو يجلس خارج الملعب بينما زملاؤه في الداخل، متظاهراً بانشغاله بربط حذائه استعداداً لدخول الملعب خلال عزف موسيقى النشيد. انقسم زملاؤه لاعبو كرة السلة الأميركية بين مؤيد لقراره بعدم الوقوف تحية للعلم والنشيد، وبين معارض بحجة أنه يتعارض مع دينه والتزامه بتعاليم الإسلام.
تلك الحادثة أثبتت أن كريس جاكسون شخصية قوية، غير قابلة للتنازل عن المبادئ التي تؤمن بها، كان جاكسون أو محمود عبد الرؤوف قبل اعتناقه الإسلام، يشعر بأن الأميركيين السود مهما حصلوا على شهرة واعتراف من المجتمع الأميركي لبروزهم في المجالات الرياضية والفنية، تنقصهم حركة منظمة تحقق مطالبهم من أجل العيش في كرامة وإنسانية، وتحثهم على الحلم بمستقبل أفضل بالجد والاجتهاد، مع الالتزام بمكارم الأخلاق والبعد عن مواطن الجريمة والمخدرات، هكذا بدأت الرحلة الإيمانية بحثًا عن دين يحقق له ولبني جلدته قدراً من الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
دعوة صادقة
قبل إسلامه، كان جاكسون يرى ضرورة تغيير الأميركيين السود ما بأنفسهم جاهدين للارتقاء بأنفسهم وأسرهم، ومن ثَمَّ الارتقاء بمجتمعهم إلى الأحسن. كما كان يرى أيضاً ضرورة أن يسعى قادتهم إلى بث الأمل فيهم، وتحريضهم على العمل، ودعوتهم إلى الالتزام بمكارم الأخلاق، والابتعاد بأنفسهم عن مواطن الشبهات؛ ليكون لهم دور فاعل في تحسين أوضاعهم الاجتماعية، ومن ثَم أوضاع مجتمعاتهم في الولايات المتحدة الأميركية عن طريق التعليم والعمل.
لذا رأى جاكسون أنه من الضروري بالنسبة له أن يبحث عن دين يهديه إلى الصراط المستقيم، ويجيب عن أسئلته الحائرة حول المساواة والعدالة الاجتماعية، ومن ثَمَّ يشعره بإنسانيته ويفجر الطاقات الكامنة فيه خيراً ونفعاً؛ ليحقق ما يصبو إليه في هذه الحياة.

رحلة الخلاص
عاش جاكسون فترة طويلة من حياته حائراً بين المعتقدات والأديان المختلفة، وظل يبحث عن دين يحقق له الطمأنينة النفسية والسعادة الروحية، حتى وجد في الدين الإسلامي كل ما كان يتمناه من قيم سامية ومبادئ فاضلة تحث على الخير والسلام والتعارف والمساواة بين البشر وعدم التفرقة على أساس اللون أو العرق أو الجنس. ولم يكن جاكسون يبحث فقط عن الخلاص الروحي، بل كان يجاهد في سبيل الإيمان بدين يحفظ له كرامته الإنسانية، ولا يحط من قدره ولونه، دين يشعره بإنسانيته وحقوقه المختلفة، ولم يتحقق له ذلك سوى تحت مظلة الدين الإسلامي، وقد بث الدين الحنيف الأمل في قلبه، وجدد في نفسه الحلم، وغرس في روحه التفاؤل بالمستقبل.
دين الحرية والكرامة
بدأت جولة محمود عبد الرؤوف الإيمانية في الأديان المختلفة، حيث درس المسيحية واليهودية، وتطرق لقراءة المذاهب الوضعية، ولم يجد في كل هذا ما يبحث عنه، وعندما بدأ يقرأ عن الإسلام، ويقرأ ترجمة معاني القرآن الكريم باللغة الانجليزية، استوقفته ولفتت نظره معاني الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية في الدين الإسلامي، وشعر بأنه وجد في هذا الدين السماوي ضالته المنشودة، فبدأ يدرسه دراسة عميقة، وقرأ عشرات الكتب التي تتحدث عن الإسلام وقيمة ومبادئه، وقرأ سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، فامتلأ قلبه بالإيمان، وقذف الله في قلبه نور الهداية والحق، وتيقن من أن الإسلام هو الدين الذي يبحث عنه.

أعلن كريس جاكسون إسلامه رسمياً في عام 1991، وحرص على تغيير اسمه إلى محمود عبد الرؤوف، ليصبح واحداً من بين المئات من الأميركيين السود الذين لجأوا إلى الدين الإسلامي، بعد أن أدركوا وأيقنوا أنه دين المساواة والعدل، وأن شريعته السامية تسود فيها العدالة الاجتماعية، وترفض الظلم والاضطهاد والتمييز بين بني البشر بحجة الجنس أو اللون.
ويعد محمود عبد الرؤوف، أحد أفضل لاعبي كرة السلة الأميركية، نال شهرة كبيرة في صفوف فريق دنفر وحصل على لقب الهداف كما نال جائزة أفضل لاعب موسم 94 في الدوري الأميركي، وهو إنجاز لم يتحصل عليه إلا أبرز النجوم، كما عرف بمهارته الرياضية وحسن أخلاقه.
#محطات
9
مواليد 9 مارس 1969 في مدينة غولف بورت بولاية مسيسبي، لاعب كرة سلة سابق بفريق دنفر بالدوري الأميركي بدأ مسيرته الاحترافية موسم 1990 قبل أن يقرر الاعتزال رسمياً في 2011.
1
تعود علاقته بكرة السلة عندما بدأ في ممارستها بجامعة لوزينا حيث لعب عاماً دراسياً كاملاً بجوار اللاعب المشهور شاكيل أونيل أحد أساطير دوري الـ NBA.
2
تم اختياره للعب بدوري الـ N B A موسم 89 مع فريق دنفر وبعد موسمين فقط أعلن إسلامه وغير اسمه من كريس جاكسون إلى محمود عبد الرؤوف.
1997
حصل محمود عبد الرؤوف على جائزة أفضل لاعب في دوري الـ N B A بعدها قام بأداء مناسك الحج كما شارك أيضاً في بطولة إسلام دنك الودية موسم 1997.
50
بعد أربعة مواسم فقط أصبح هداف فريق دنفر وشارك معه في كل التصفيات النهائية في دوري السلة الأميركي وفي إحدى المباريات سجل بمفرده أكثر من 50 نقطة.
