هي لحظات أشبه بضربة قاضية أو هدف ذهبي، قادرة على تغيير مجرى حياة أي شخص، تمنحه قوة وطاقة نور في أوقات عصيبة تكاد أن تعصف به، وفي ملاعب الرياضة هناك نجوم وأساطير، منهم من نشأ في ظل دين الفطرة وآخرون عادوا إليه بقناعة تامة، وما بينهما يبقى الإيمان والتسامح والهدف النبيل.

لم يتخيل الأب عميد عائلة فرح، أن قرار نزوحه بعائلته الصغيرة من العاصمة الصومالية مقديشيو إلى عاصمة الضباب لندن، طالبين حق اللجوء السياسي نظراً إلى سوء الأوضاع السياسية في بلادهم، سيسعد يوماً ما شعب الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ففي أحد أيام صيف العام 93 كان القرار الحاسم بالرحيل وترك البلد الأم والذكريات، وفي 2012 جاءت المكافأة من الابن محمد أو «مو»، كما يُطلق عليه بين أفراد عائلته، ليرتفع علم الوطن البديل خفاقاً بين أعلام الدولة المشاركة في أكبر حدث رياضي بين القارات السبع، عرس الأولمبياد.

البحث عن الذهب

ميدالية ذهبية استغرق مشوارها 19 عاماً كاملة، نجح الابن محمد فرح في إحرازها في سباق عشرة آلاف متر في أولمبياد لندن 2012، لتصبح هي الأولى في عالم الأولمبياد، والتي ينجح أحد لاعبي الدولة المستضيفة من نجوم ألعاب القوى في إحرازها على أرضه وبين جماهيره.

«سجدة شكر» كانت الرد الفوري من البطل لله رب العالمين، وأصابع تُشير إلى السماء حامدة نعمته التي أتمها عليه، وجعلت اسمه يتصدر نشرات أخبار العالم أجمع، يقول مو: لم أتخيل على الإطلاق أن أحقق ميدالية ذهبية في الأولمبياد، كانت أكبر أحلامي أن أمثل بلادي بريطانيا خير تمثيل حتى أرد لها الجميل، كان البعض يرشحني للفوز، لكن كنت أرى أنني لا زلت بعيداً نوعاً ما عن تلك الأحلام.

رسالة التسامح

صورة العداء البريطاني المسلم ذي الأصل الصومالي الفائز بذهبية الأولمبياد، رسمت أكبر معاني التسامح الديني، عقب السجود في أرض الملعب سارع إلى احتضان زوجته وبناته أمام العدسات.

حملت سجدة «مو» مع قبلة لزوجته الحامل بطفلها الرابع، والتي نزلت إليه من المدرجات، أمام مئات الآلاف من الجمهور وتحت أضواء العدسات، رسالة تاريخية حول التسامح ورفض التشدد، كما رسمت صورة جديدة تثبت أن المسلمين في هذا البلد متعدد الأعراق يسهمون بالفعل في بنائه ويعتزون ببلادهم بريطانيا التي منحتهم الكرامة والمستوى المتميز من التعليم والمعيشة.

فرحة العمر

امتدح مو، عقب السباق شريكه الأميركي في التدريبات ومدربه الكوبي لمساعدته في منح بريطانيا أول ميدالية ذهبية في سباق 10 آلاف متر، في ليلة ستبقى خالدة في تاريخ الأولمبياد.

وقال فرح: «لقد رأيت فوز العداءة البريطانية جيسيكا أينيس بذهبية قبل ذلك، الأجواء كانت مختلفة تماماً، كان هناك ضجيج هائل، كنت منفعلاً للغاية، وكنت أدرك أن عليّ أن أفعل شيئاً». وأضاف «إذا لم توجد هذه الجماهير وهذه المساندة ما كنت لأفوز، إنها أفضل لحظة في حياتي». لقد منحني الجمهور حافزاً هائلاً، ومن دونه ربما لم يكن الأمر ممكناً، ربما لما تمكنت من دفع نفسي للتألق إلى هذه الدرجة، كانت الهتافات صاخبة في الملعب كما لو أنها مباراة كرة قدم وشهدت تسجيل هدف، وأعتقد أن تلك الميدالية هي أغلى الأهداف التي أحرزتها في حياتي.

تهمة الإرهاب

بعيداً عن مضامير السباقات، وصراعات المراكز الأولى، تعرض العداء البريطاني الحائز ميداليتين ذهبيتين في أولمبياد لندن 2012، إلى موقف لا يحسد عليه، وذلك خلال إحدى رحلاته إلى بلاد العم سام، عندما احتجز في المطار أثناء توجهه إلى بورتلاند في ولاية أوريغون لقضاء عطلة أعياد الميلاد مع أسرة زوجته، وأصرت دائرة الهجرة الأميركية على استجوابه بشبهة «الإرهاب» بسبب أصله الصومالي. ومع أنه أظهر الميداليتين الأولمبيتين لمسؤولي دائرة الهجرة، إلا أنهما لم تشفعا له، وأصروا على التحقيق معه.

يحكي فرح عن تلك الواقعة قائلاً: لم أصدق ما حدث معي، يحتجزونني بسبب أصلي الصومالي كلما زرت أميركا، أخرجت الميداليتين الذهبيتين لهم، ومع ذلك أصروا على التحقيق معي، وأكمل: في كل مرة أتقدم للحصول على تأشيرة إقامة في بورتلاند في الولايات المتحدة، أواجه صعوبات جمة، وأضطر إلى الذهاب هناك بتأشيرة سياحية، قبل المغادرة إلى تورنتو بكندا لعدة أيام ومن ثم العودة إلى بورتلاند للحصول على الإقامة.

وأضاف: في تورنتو، تلقيت رسالة تفيد بأنني سأخضع للتحقيق بشبهة الإرهاب، فاضطررت للبقاء في كندا 90 يوماً، ومن حسن حظي أن كان مدربي على علاقة طيبة مع أحد المسؤولين في مكتب التحقيقات الفيدرالي، وكان بالمصادفة عداء مسافات طويلة سابق، وهو ما سهل الأمر علي لاحقاً وانتهت المسألة.

الأكثر طرافة

وبعيداً عن تلك الواقعة، جاءت أخرى وعلى العكس منها تماماً وتُعد الأكثر طرافة في مسيرة الأولمبي البريطاني حتى الآن، ففي مشهد مثير لا يتكرر، اتجه العدّاء البريطاني محمد فرح إلى حافة مضمار السباق في مسابقة نهائي 5 آلاف متر؛ ضمن منافسات بطولة العالم لألعاب القوى في بكين ليشرب بعض الماء، ثم عاد بعدها ليستكمل ويفوز بالسباق، الطريف أنه حتى التوقف لشرب كوب ماء، لم يمنع محمد فرح، من الفوز بذهبية 5 آلاف متر في ملعب «عش الطائر بالصين»، ليضيفها إلى ذهبية 10 آلاف متر التي فاز بها قبل أيام، تلك الواقعة حدثت قبل نهاية السباق بثلاث دقائق فقط، حين ترك فرح المضمار وسط دهشة زملائه الذين التفتوا إليه وهو يغادر حارات السباق بالعرض، حتى يصل إلى محطة الماء، ويتناول الكوب ليشرب ويضع على رأسه بقية الكوب، ثم يعود ليصل في المركز الأول إلى خط النهاية ويفوز، أجمل التعليقات جاءت من المنافسين عندما قال أحدهم: «يا له من أسطورة.. لديه وقت للتوقف وشرب الماء وبعدها يحرز الذهب، إنه لاعب غير عادي، ضاعف الجري ليحصل على الماء، في المرة القادمة ربما يتوقف لتناول وجبة طعام وأيضاً يفوز بالسباق».

الداعم الأول

لايزال العداء البريطاني ذو الأصل الصومالي محمد فرح، يحمل التقدير وكل الحب لزوجته تانيا، معبراً عن سعادته الغامرة بابنتيه التوأم وشقيقتهما البكر «ريانة» قبل أن يمن الله عليه بابن رابع من الزوجة التي أحبها وعشق الحياة معها، وكانت سبباً في بزوغ نجمه في عالم ألعاب القوى، ويقول مو: زوجتي هي من لعبت الدور الأكبر في مسيرتي، ولولاها ما استطعت أن أصل إلى ما أنا فيه وأعتقد أن تربيتي ونشأتي الإسلامية كانت السبب الرئيس في أسلوب معاملتي مع تلك الزوجة الصالحة.

#محطات

23

محمد فرح مواليد 23 مارس 1983 بالعاصمة الصومالية مقديشو، وتلقى تعليمه في المدرسة بالمرحلة الابتدائية حتى سن الثامنة.

8

قدم محمد مع عائلته إلى بريطانيا سنة 1993 وعمره 8 سنوات، بعد فترة قصيرة عاشها في جيبوتي، طالبين اللجوء السياسي، بسبب الحرب الأهلية في الصومال.

2011

تدرب في كينيا وإثيوبيا معقلي سباقات المسافات الطويلة، وانتقل في العام 2011 إلى الولايات المتحدة ليتدرب تحت قيادة مدربه الكوبي ألبرتو سالازار.

2012

في أولمبياد لندن 2012 شارك في سباق 10000 متر وفاز بالميدالية الذهبية بعد أن قطع السباق في 27 دقيقة و30.42 ثانية.

01

أصبح فرح أول عدّاء يفوز بسباق 10000 متر على أرضه، وتلك تعد السابقة الأولى في عالم ألعاب القوى والأولمبياد.