هي لحظات أشبه بضربة قاضية أو هدف ذهبي، قادرة على تغيير مجرى حياة أي شخص، تمنحه قوة وطاقة نور في أوقات عصيبة تكاد أن تعصف به، وفي ملاعب الرياضة هناك نجوم وأساطير، منهم من نشأ في ظل دين الفطرة وآخرون عادوا إليه بقناعة تامة، وما بينهما يبقى الإيمان والتسامح والهدف النبيل.
وقف الرئيس الأميركي باراك أوباما بين المدعوين في إحدى المناسبات الرياضية، مخاطباً إياهم قائلاً: عندما يتوجه الأميركيون للمشاركة في أولمبياد ريو دي جانيرو المقبلة بالبرازيل، ستكون بينهم فتاة مسلمة ترتدي الحجاب وستلوح للمرة الأولى بالعلم بلونيه الأحمر والأبيض ونجماته الـ50 ذات الخلفية الزرقاء، ويكمل: إنها ابتهاج محمد لاعبة المنتخب الأميركي مبارزة سلاح الشيش. في تلك اللحظات، وقفت اللاعبة الواعدة، وسط تصفيق الجميع ينتابها شعور لا يوصف بالزهو والفخر، كون حجابها وزيها الإسلامي هما من أعطاها تلك الحالة الرائعة من التقدير والاحترام.
هي ابتهاج محمد، ولدت في مدينة «ماليبوود» بولاية نيوجيرسي الأميركية في الـ5 من ديسمبر عام 1985، الأب يدعى هيداجي والأم دينيس، أسلما قبل ولادتها بعامين، لديهما خمسة أبناء، ويأتي ترتيب البطلة الثالث بين الأبناء، دخلت التاريخ قبل ذلك ببضع سنوات عندما أصبحت أول مسلمة محجبة تمثل الولايات المتحدة في رياضة المبارزة بالسيف، لكن تأهلها إلى دورة الألعاب الأولمبية الدولية الـ31، التي ستقام في مدينة ريو دي جانيرو الصيف المقبل، أضاف نيشاناً آخر إلى إنجازاتها.

بلوغ الأهداف
تقول ابتهاج عن تلك المشاركة: «أريد أن أنافس ضمن الأولمبياد وأمثل الولايات المتحدة حتى أثبت أنه لا يوجد أي عائق يحول بين المرء وبلوغ هدفه»، وأضافت: «لا العرق ولا الدين ولا الجنس، قادرة على تحطيم أي حلم، أريد أن أكون مثال المثابرة التي تجعل المستحيل ممكناً».
وكانت الفتاة المسلمة الأميركية، والرياضية الأولمبية ابتهاج محمد، قد أعطت درساً للجميع في كيفية التمسك بتعاليم الدين وأساسياته، وعدم الرضوخ لأي ضغوطات، حتى لو كانت تبدو للبعض بسيطة، وتحكي ابتهاج عن تلك الواقعة قائلة: لا زلت أذكر عندما تلقيت أمر استدعائي لتمثيل المنتخب الأميركي للمرة الأولى، في تلك الليلة لم أنم من شدة الفرح وبقيت أحلم فقط بالنشيد الوطني الأميركي ومنصات التتويج وأنا أرفرف بالعلم ورأسي عالٍ بالفوز وبحجابي الغالي.
وتكمل: عندما ذهبت إلى المعسكر فوجئت هناك بمن يطلب مني خلع الحجاب حتى أتمكن من المشاركة مع المنتخب، ساعتها جاء الرد الحاسم والقاطع والذي لن يقبل المناقشة، لن أتخلى عن حجابي ولن أخلع الزي الإسلامي فهو هويتي وفخري واعتزازي، إذا أردتم مشاركتي على هذا النحو فأهلاً ومرحباً بكم، وإذا لم تقبلوا فلن ألعب للمنتخب الأميركي، وهذا ردي النهائي، ولن أتنازل عنه حتى لو كلفني الأمر الاعتذار عن تمثيل المنتخب وهو الشرف الذي حاولت كثيراً أن أصل إليه وأناله.

درس في الثوابت
لم يجد القائمون على المنتخب إلا الانصياع لرغبة البطلة الواعدة، والتي أعطت للجميع درساً في التمسك بالثوابت في زمن يتم فيه التخلي عن كل الأشياء، انضمت ابتهاج محمد إلى سيدات أميركا لمبارزة الشيش ومنذ اللحظات الأولى ظهرت قدراتها الفذة وأسلوب لعبها الرشيق والذي جعل الجميع يؤمن أنها بالفعل تستحق أن تكون بطلة ورمزاً لأجيال أخرى قادمة.
لم يكن هذا الموقف هو الوحيد الذي أثبت مدى تمسك ابتهاج بحجابها وزيها الإسلامي، ففي إحدى المرات كانت ضمن المدعوين للمشاركة في مؤتمر رياضي، للتحدث عن دور الرياضة في الحياة الأميركية، وطلب منها أحد القائمين على النواحي التنظيمية خلع الحجاب لالتقاط صورة بطاقة الدخول الخاص بها.
وبمجرد أن طلب منها ذلك، رفضت ابتهاج بشدة، وغردت عبر حسابها الشخصي على موقع تويتر قائلة: «طلبوا مني خلع حجابي في المؤتمر، لكني لا أستطيع»، وأضافت: حتى بعدما أوضحت لهم قراري بأنه لأسباب دينية وليس لأي أسباب أخرى، أصروا أيضاً على خلع الحجاب لالتقاط الصورة، وعندما وجدوا إصراري على الرفض، أعطوني بطاقة أخرى بها اسم شاب وليس لفتاة موضوعاً بجانبه صورتي وأنا بالحجاب.
الطريف أن المسؤولين عن تنظيم المؤتمر، بمجرد علمهم بتلك الواقعة، قاموا باستدعاء الشخص المتطوع الذي طلب من ابتهاج خلع حجابها، وتم طرده من المؤتمر على الفور. كما خرج أحد المسؤولين عن الأمور التنظيمية في تصريحات لصحيفة شيكاغو تريبيون الأميركية قائلاً: ليس من سياستنا أن نطلب من أحد خلع حجابه، أو أي شيء آخر، من أجل التقاط صورة لبطاقة الدخول وحضور المؤتمرات. وأضاف «هذا الفعل قام به أحد المتطوعين، والذي تم طرده على الفور بمجرد علمنا بالواقعة، كما أننا قمنا بالاعتذار لبطلتنا الأميركية الأولمبية «ابتهاج محمد» بصفة شخصية عن هذا الحادث الذي تسبب في إحراجها».

تشجيع
بدأت علاقة «ابتهاج» بالرياضة مبكراً، عندما وجدت التشجيع والمؤازرة من الوالدين اللذين كانا حريصين على ممارسة أولادهما الرياضة، حيث كانا يؤمنان بأن الرياضة مفيدة وتحافظ على النشاط الجسدي والاجتماعي وقادرة على أن تنشئ أبناء صالحين، وعندما أصبحت ابتهاج في المدرسة المتوسطة، كانت تمارس العديد من أنواع الرياضة، فقد مارست السباحة والعدو والكرة الطائرة، وكان يتعين على والدتها أن تصنع لها لباساً خاصاً جديداً لكل رياضة تمارسها، وكانت هي تشعر على الدوام بالاختلاف عن أصدقائها بسبب زيها المحتشم.
وفي أحد الأيام، عندما شاهدت ابتهاج ووالدتها فتيات يمارسن رياضة المبارزة في المدرسة الثانوية المحلية، أدركتا على الفور أن هذه الرياضة سوف تكون مناسبة لابتهاج محمد لأنها لن تحتاج إلى ارتداء لباس رياضي خاص.
واعتبرت ابتهاج أن «الأمر الجاذب في مشاركتها في لعبة المبارزة هو أنها تمكنت من العثور على رياضة احتضنت معتقداتها الدينية وحققت رغبتها في ارتداء الحجاب». وأضافت، «قادتني رغبتي في ارتداء الحجاب إلى رياضة أحببتها، ولولا ذلك لما كان من المحتمل أن أكتشفها أبدًا».

علامة «لويلا»
بعيداً عن مجال الرياضة، تتولى ابتهاج منذ عام 2014 إدارة شركة على الإنترنت لإنتاج وبيع ملابس حديثة مخصصة للنساء المحجبات تحمل اسم «لويلا»، وتسهم أيضاً منذ عام 2002 في مؤسسة «بيتر ويسبروك» غير الربحية في نيويورك التي تعمل على مساعدة شباب الأحياء الفقيرة خصوصاً عبر الرياضة، كما أنها تستعمل لعبة المبارزة لمساعدة شباب الأحياء الداخلية الفقيرة في المدن على تطوير مهارات تمكنهم من تأمين معيشتهم. كما لا تخفي ابتهاج اهتمامها بالمجال السياسي واللغات والدين إضافة إلى ولعها بكرة القدم.
#محطات
13
بدأت ابتهاج محمد حياتها الرياضية في لعبة سلاح الشيش عندما كانت في عمر 13 عاماً، والتحقت بمدرسة كولومبيا الثانوية واستمرت في ممارسة اللعبة بها.
2002
في عام 2002 التحقت بمؤسسة بيتر ويستبروك، والتي أسهمت في تطوير إمكانياتها ومهاراتها، وساعدتها في الالتحاق ببرنامج اللاعب الأولمبي في نيويورك.
2007
في عام 2007، نالت ابتهاج محمد من جامعة ديوك شهادة البكالوريوس في العلاقات الدولية والدراسات الأميركية الأفريقية، كما درست اللغة العربية كمادة فرعية.
3
فازت ثلاث مرات بجائزة أفضل مبارزة أميركية التي تمنحها الجمعية الوطنية للرياضيين الجامعيين، وهو شرف يمنح لأفضل رياضي جامعي في كل نوع من أنواع الرياضة.
2
حصدت في الموسم الرياضي الأخير ميداليتين برونزيتين في بطولتين عالميتين من أصل 3 بطولات كما حققت البرونزية في بطولة المونديال بأثينا.
