
في ليلة باردة من ليالي مدينة «ليستر» الإنجليزية، أسرع الشاب العربي الأصل الجزائري الجنسية إلى هاتفه الخاص، بعد أن تنامت إلى مسامعه رنات تنبئ باتصال قادم، ما هي إلا لحظات حتى انفرجت أساريره بابتسامة عريضة ملأت الفرح في جنبات بيته الأنيق، ولم يعد يتمتم إلا بكلمتين فقط «الحمد لله».
لم يتخيل الشاب الموهوب ابن الـ 25 عاماً أن مساء هذا الأحد سيحمل له أغلى الهدايا والتي عمل من أجلها بجد وإخلاص طوال عقد كامل، وهي فوزه بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي موسم 2016، إضافة إلى مساهمته الكبيرة في فوز فريق مدينة «ليستر» تلك المدينة الزرقاء والتي انتظرت قرناً كاملاً فرحة إحراز اللقب الكبير والوقوف بجانب عمالقة «البريميرليغ».
هذا العبقري المبدع لم يثنه عن بلوغ مجده الكروي بنيته الهزيلة وجسمه النحيل فقد تصالح مع نفسه، وتغلب على ظروفه ومحيطه وأحرز هدفه في هذه الحياة.

نشأة متواضعة
عائلة رياض محرز، المولود في العام 1991 من أبوين مهاجرين، لم تكن ثرية، فالأب مجرد عامل بسيط والأم ربة منزل، كل مهامها تتلخص في تربية أبنائها وطهي الطعام والاعتناء بالمنزل.
هذا الطفل الصغير بملامح عربية ورثها عن أبيه الجزائري وأمه المغربية، بقيت حارات مدينة «سارسيل» الفرنسية، والتي تبعد 10 أميال فقط عن شمال العاصمة الفرنسية باريس، دوماً شاهدة على سحره وأسلوب لعبه الشيق، وبالرغم من أن هذا الحي يُعتبر من أخطر الأحياء في باريس وفي فرنسا بشكل عام خاصة بسبب الاضطرابات والجرائم العرقية والدينية بسبب المهاجرين المستقرين فيه، إلا أن سحر كرة القدم كان الملاذ الوحيد لعاشق الكرة الصغير.
طفولته كانت عادية شأنها شأن كل أقرانه الصغار، الذين حرصوا على التجمع يومياً في ساحات المدينة لممارسة رياضتهم المفضلة، نجح «محرز» في لفت الأنظار بموهبته الفذة رغم جسمه الضئيل ووجهه النحيل.
يحكي رياض عن تلك الفترة قائلاً: كثيرون قالوا إنني هزيل، ولن أستطيع الاحتفاظ بالكرة، ورغم ضعفي البدني إلا أنني امتلكت المهارات اللازمة، فقد كنت أعمل باجتهاد دوماً، وطفولتي بالطبع كانت صعبة بعض الشيء لكنها أثرت في مسيرة حياتي فيما بعد بشكل كبير، وأيضاً في شخصيتي وطريقة تفكيري، بل إنها منحتني الإصرار من أجل الوصول لحلمي وأهدافي في عالم الكرة فيما بعد.

نشأة وتدين
ويكمل النجم العربي الكبير: أدين بالفضل إلى أبي وأمي، فهما صاحبا الفضل في نشأتي الدينية، كان أبي رحمه الله يحلم دوماً بأن أكون لاعب كرة محترفاً وفي أكبر الأندية الأوروبية، ولا زالت كلماته الحانية بأن السبيل الوحيد إلى النجاح في أي عمل هو الالتزام والتقرب إلى الله، كان هو وأمي ينصحاني دوماً بالصلاة وأعتقد أن هذا الأمر كان طوق النجاة لي من صداقات أصحاب السوء ومتعاطي المخدرات والتي كانت تُشكل الجزء الأساسي من الحياة في «سارسيل».
وعن أقوى المراحل التي تجاوزها رياض محرز بفضل إيمانه الشديد، ما حدث عندما تعرض إلى صدمة قوية وهو في عمر الـ15 بوفاة والده بسبب مضاعفات صحية بعد عملية جراحية في القلب، وعن تلك الفترة يقول: «لا أعلم ماذا حدث لي فعلاً بعد وفاة والدي، ولكن شعرت بأن الأمور أصبحت جدية وبأن الحياة قصيرة ويجب أن أتقدم وأعمل بجهد حتى أصل لحلمي».
يذكر أن والد رياض محرز هو من اكتشف موهبته الكروية، خاصة أن والده لعب لفترة طويلة كرة القدم في دوريات الهواة بفرنسا مع أكثر من فريق، وقد لاحظ في نجله بأنه سيكون لاعباً مميزاً فقام بتنمية موهبته وإلحاقه بأحد أندية الهواة في باريس، لتبدأ مسيرته حتى وصل إلى القمة في أكبر دوري في العالم صانعاً لنفسه ملحمة بفضل تربيته الدينية الملتزمة.

بكاء الأم
من المواقف المؤثرة والتي ستظل إلى الأبد في ذهن رياض محرز، لا سيما وأنها ترتبط بوالدته التي يحبها حباً جماً، ما حدث في عام 2009، حين حاول فريق «كيمبيه» الاستفادة من قدرات الشاب الجزائري الأصل البالغ من العمر 18 عاما آنذاك، لكن للأسف لم تقدم إدارة النادي عرضاً جيداً له لعدم وجود ما يكفي من المال في خزائن الفريق.
في تلك اللحظات حاول رياض التماسك لكن مقاومته ضعفت، وقرر على الفور الاتصال بوالدته، وبمجرد سماع صوتها على الطرف الآخر أجهش رياض بالبكاء وهو يتحدث إليها، وعندما رأى رئيس النادي هذا الموقف، قرر على الفور توقيع عقد جديد معه وبقيمة أعلى من تلك القيمة السابقة كل هذا حدث خلال 24 ساعة، وبدموع انسابت على وجنتيه بمجرد سماع صوت أمه والتي لولاها، بعد الله، ما كان ليصل إلى تلك المكانة وهذه العبقرية والتي أوصلته بعد ثلاث سنوات ونصف السنة فقط قضاها في دوري الدرجة الثانية الفرنسي إلى الدوري الانجليزي الممتاز بل والحصول على لقب الأفضل.
وخلال وجود محرز في «كيمبيه»، تلقى عدة عروض من ناديي باريس سان جيرمان، ومارسيليا، قبل أن يفضل الانتقال إلى نادي «لوهافر» موسم 2010، وكان يبلغ من العمر وقتها 19 عاماً، وبقي فيه حتى انتقاله إلى ليستر عام 2014 في صفقة بقيمة 400 ألف جنيه استرليني.

طريق النجاح
تعلم أفضل لاعب في الدوري الانجليزي 2016، أن التواضع هو الطريق الوحيد الضامن لاستمرار النجاح، ولا زال حتى هذه اللحظات دائم الاتصال مع صديق طفولته مصفف الشعر الجزائري نسيم، والذي اعتاد محرز الذهاب إلى محله منذ زمن بعيد، ولا زال هو الآخر نقطة اتصال محرز الوحيدة بماضيه وبأبناء الحي الذي تربى فيه.
ولربما يكون محرز قد غير فريقه وانتقل إلى بلد آخر، لكنه لم يستطع أن يغير نظامه أبداً، فلا يزال متواضعاً فخوراً بدينه الحنيف وبتعاليمه المقدسة، ولا يزال يلتقي بأصدقائه، ودائماً ما يزور حي «سارسيل»، مؤكداً بذلك أن رياض سيظل كما هو ولن يتغير، وسيبقى دوماً الفتى الرائع الذي يبكي حي «سارسيل» من أجله عندما يراه يلعب، ويطيرون في الهواء سعادة عندما يفوز ويحصد الألقاب.
#محطات
1991
رياض محرز مواليد 21 فبراير 1991 في سارسيل فرنسا، مثّل منتخب بلاده في مونديال البرازيل 2014، وينتسب إلى قبائل بني سنوس بولاية تلمسان.
01
زوجة محرز هي ريتا جوهال وهي بريطانية من أصل هندي، وأنجب منها ابنته الوحيدة والتي أطلق عليها اسماً عربياً وهو «عناية».
2014
خاض في 31 مايو 2014 أول مباراة دولية مع الجزائر حيث بدأ أساسياً في المباراة الاستعدادية لكأس العالم أمام منتخب أرمينيا.
2015
سجل أول أهدافه للجزائر ضد مالاوي، ولعب جميع مباريات نهائيات كأس أمم أفريقيا 2015، كما سجل هدفاً أمام منتخب السنغال.
2016
في يناير 2016 ارتفعت قيمته من 4.5 ملايين دولار إلى 30.1 مليون دولار ليصنف بين الـ 50 لاعباً الأكثر قيمة في أوروبا.
